هـ بيانا تضمن بضعة رسائل، ودعت الثانية منها: «كل الفصائل المجاهدة الداعية إلى تحكيم شرع الله، وإلى جميع من يؤمن بما في ميثاق الجبهة» إلى: «الانضمام إليها، تكثيرًا للسواد، ورصًا للصفوف، وكبتًا للأعداء» ، أما الخامسة فطالبت: «إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يستمروا في دعم إخوانهم المجاهدين في الشام عامة، والجبهة الإسلامية خاصة» .
لا ريب أن بيان العلماء هذا تمتع بمسؤولية سياسية وشرعية رفيعة المستوى. ولا يُنقص من قيمته انسحاب بضعة علماء في وقت لاحق من التوقيع على البيان. لكن مثل هذا البيان لم يصدر مثلا حين الإعلان عن «الجبهة الإسلامية السورية» في ديسمبر 2012 أو «جبهة تحرير سوريا» أو «جبهة النصرة» ، فما الذي يجعل هذا الحشد من العلماء يفزَع فجأة إلى مناصرة التشكيل الجديد، في حين أن ذات التشكيلات كانت قائمة، وخاضت حروبا طاحنة ضد النظام قبل ائتلافاتها الجديدة، لكنها لم تحظ بأية مناصرة من هذا النوع أو أقل منها؟ وما الذي يجعل «السرورية» ، أحد أشهر التيارات الإسلامية، تحتفي بالتشكيل الجديد، حتى بإقامة الولائم بدعوى أنه أكبر وأوسع «تمثيل» للثورة السورية!؟ ولماذا يخاطب البيان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بدعم المجاهدين في الشام عامة في حين يختص بالدعم «الجبهة الإسلامية» ؟ ألأنها ترى في التشكيل الجديد وليدها الناضج الذي سيحقق لها مشروعها؟
لعل أطرف ما في الميثاق على الإطلاق هو عبارة «مشروع أمة» ! فالميثاق هو أصلا نسخة مبتسرة عن نص الميثاق القديم للجبهة في صيغتها الأولى. وهو في الحقيقة (القديم) أبْيَن من النسخة الجديدة. أما وجه الطرافة الأول فيكمن في أولئك النفر اليسير الذي قد لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أشخاص ممن قاموا بصياغة النص الجديد، وتنافسوا في إضافة هذه الكلمة أو الجملة وحذف تلك، إلى أن وقع الرضا بينهم على الصيغة النهائية. أما الوجه الثاني الأشد طرافة فيكمن في أن من راجع النص كان عالما واحدا فحسب! في حين تم تقديم الميثاق باعتباره «مشروع أمة» ! وإزاء هذه المعطيات فالسؤال هو: ما هو الأساس الشرعي أو الموضوعي الذي أيد به بيان العلماء 72 الميثاق باعتباره «مشروع أمة» !؟
بطبيعة الحال لم نتحدث عن مضامين الميثاق لنعرف حقا المدى الذي يسمح بوصفه «مشروع أمة» . لكن من المؤسف أن المنطق الذي تجري به صياغة العقائد والمواثيق هو منطق «العقل الجبري» بامتياز. وهو ذات المنطق الذي يقع فيه العالم الشرعي والأمير والسياسي والأكاديمي والمثقف والناشط والحركة والحزب والجماعة والصغير والكبير. ومن يَخْبَر دهاليز المؤتمرات والندوات والاجتماعات يدرك أن أغلب البيانات والوثائق الحاسمة التي تمس الأمة في حاضرها ومستقبلها لمّا تزل تُعْقَد وتصدر بهذه الطريقة، وهي طريقة النظم والمعارضة، إسلامية كانت أو جهادية أو وطنية، أي بعيدا عن أي جهد مؤسسي أو منهجي، وبالتالي ما من فارق لها في مستوى الأمة حتى لو جرى تغطيتها بشتى الأغطية الشرعية، ومن شتى أطياف العلماء. بل أن المعارضة من الجماعات والتجمعات والمؤسسات والتكتلات والتحالفات يجري تشكيل غالبيتها الساحقة وأشهرها كما لو أنها صفقات تجارية! وعلى قاعدة لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. أي بمقتضى التوازنات السياسية والأيديولوجية