حذر: «المسلمين وخاصة أهل العلم والرأي منهم من امتصاص غضب الناس في مظاهرات لا هدف لها، أو التنفيس عنهم في جمع تبرعات لن تصل إلى إخوانهم» .
هكذا بدا واضحا، في هذه الظروف فقط، أن منهج «الدولة» ، منذ ما قبل الحدث الثوري، كان ولمّا يزل، أبعد ما يكون عن «الثورات» بالصيغة الشعبية التي تجري وقائعها اليوم، فضلا عن عدم الثقة بها، ورفض أي «مظاهرات لا هدف لها .. إلا امتصاص غضب الناس .. أو التنفيس عنهم في جمع تبرعات لن تصل إلى إخوانهم» ، بل ومعارضة أو تحذير كل من يؤيدها حتى لو كانوا بحسب البغدادي من «أهل العلم والرأي» . ولا ريب أن مثل هذه القراءة، بالأمس واليوم، وهي تجعل من ثورة عامة الناس على الظلم «دليلا على الذل والعبودية» وحتى «الضلال» ! إنما تضع «الدولة» ومنهجها في كفة وعامة المسلمين، «إلا ما شاء الله» ، في كفة أخرى!
(3) المكانة
أولا: مكانة «القاعدة» في «الأمة»
لم تشكل «القاعدة» في أيٍّ من خطابات رموزها بديلا عن «الأمة» أو نائبة عنها لا في الجهاد ولا في أية مسألة عقدية أو شرعية ابتداء من «الخلافة» وانتهاء بـ «تطبيق الشريعة» . فالجهاد بعرف «القاعدة» هو «جهاد أمة» حتى وإنْ كان من يتحمل وزره حفنة من المسلمين. هذه الرؤية عبرت عنها «القاعدة» قبل اندلاع «الثورات» الشعبية بعدة سنين. وفي «لقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة - 1428 هـ» أكد الشيخ عطية الله، بصريح العبارة أن: «المجاهدين طليعة الأمة وهم خيارها، أو ينبغي أن يكونوا كذلك» .
مع ذلك، فما أنْ انفجرت «الثورات» حتى استغل الخصوم الأمر، وبدؤوا يروجون على نطاق واسع لفكرة أن «الثورات» قضت على أطروحة «القاعدة» . بل أن بعض الدعوات وصل بها الحد إلى التساؤل، بتهكم وشماتة، عن دور «القاعدة» في «الثورات» العربية، لاسيما وأنها زعمت طويلا بأنها البديل الوحيد أمام «الأمة» . والثابت أن «القاعدة» حرضت على الجهاد ضد النظام الدولي، وحتى ضد النظم المحلية، لكنها لم تقل يوما ما، في أي من خطاباتها، أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة لنيل الحرية أو التخلص من الظلم والاستبداد والهيمنة الدولية.
لا ريب أنها أطروحات استفزت قيادات «القاعدة» التي ترى في نفسها «جزء من الأمة» وليس كل «الأمة» . أما الشيخ عطية الله الليبي فكان أول من سارع إلى توضيح الأمر والرد على مثل هذه الأطروحات في كلمته: «ثَوْرَة ُالشّعُوبِ وَسُقْوط ُالنِّظَامِ العَرَبِيِّ الْفَاسِدِ - 24/ 2/2011» . كان جوابه حاسما وشديد التواضع: «القاعدة جزء بسيطٌ من جهودِ الأمة المجاهدة، فلا تظنوا بها فوق قدرها، ولنكن عارفين بأقدارنا جميعًا، ولنجتهد