وفي مقابلته مع قناة «الجزيرة - 19/ 12/2013» قدم الجولاني بيانات صريحة عن حقيقة كون الجهاد في الشام هو سلسلة ذات تاريخية متصلة، فعلا ومفهوما، منذ ستينات القرن الماضي، وليست منقطعة (عن) أو مسقطة على الواقع من علٍ. باختصار: «نحن .. ثمرة من ثمرات الجهاد العالمي الذي حدث، تاريخ طويل من جهد العلماء وتضحية الدماء، فلولا الجهاد الذي حصل في مصر في الستينات مثلا لما انتقل إلى أفغانستان، لولا الجهاد الذي حدث في الثمانينات ضد هذا النظام في سوريا لما انتقل إلى أفغانستان، ولولا أن الإخوة ضحوا في أفغانستان لما انتقل الجهاد إلى العراق ولولا أن الأخوة ضحوا وثبتوا في العراق لما انتقل الجهاد إلى أرض الشام» .
وإذا كان في الشام ما يستدعي النظر إلى المجتمع بـ (1) «مسؤولية موضوعية» تأخذ بعين الاعتبار مختلف المكونات الاجتماعية بكل تخصصاتها وميولاتها خاصة لجهة اهتمامات شريحة الشباب التي قد يتعلق جزء منها بالعلماء أو بالمشايخ أو بالرياضيين أو بالجهاد أو بتحصيل العلم أو بالتجارة أو بالزواج أو حتى بالفنون ... وكذلك بـ (2) «مسؤولية شرعية» تتطلب التوعية وتفعيل الطاقات بما يخدم مصالح «الأمة» ؛ فإن مما لا يحتاج إلى إثبات هو الإقرار بأن الجهاد وحده لا يجمع «الأمة» ، لذا نقول، والكلام للجولاني، في ذات المقابلة: «نحن نراعي أن المجتمع في سوريا كان في غيبوبة بعض الشيء» . وبحسب المقابلة أيضا ففي سوريا كان: «الناس بعيدين كل البعد عن فكرة حمل السلاح .. بعيدين عن فكرة قبول المنهاج الذي نسير عليه نحن، وغير قادرين على أن يتحملوا تبعات أي اصطدام مع هذا النظام» ، لكن (مع بعض التصرف اللغوي) : «المجتمع السوري تغير كثيرا، وهو ليس مجتمع ما قبل الثورة .. هناك تاريخ سيؤرخ ما بعد الجهاد في الشام وما قبل الجهاد في الشام، فهذا التاريخ سيؤرخ على أن هناك ولادة جديدة لهذا المجتمع تختلف تماما عن المجتمع السابق الذي كان فيه من الخير الكثير لكن كان ينقصه المحرض والمرشد والداعي له إلى خير» .
تذهب «القاعدة» عبر «النصرة» إلى ما هو أبعد في العلاقة مع «الأمة» . فقد سئل الجولاني في المقابلة عما إذا كان هناك مرجعية أخرى لدى الجبهة غير الدكتور سامي العريدي؟ فكان جوابه: «بالطبع لدينا الكثير من العلماء المناصرين والناصحين لنا (لكن وبصيغة الأنا) لا أسميها مراجع شرعية وإنما أسميها أهل العلم والصلاح والرشاد» .. لا شك أنها عبارة بليغة وطريفة، كان وقعها سيكون أقوى لو تجنبت صيغة الأنا، بحيث تبدو «القاعدة» معنية بالانفتاح على مختلف المرجعيات وليس المرجعية الشرعية فقط. وتبعا لذلك (وبلسان الجولاني، لكن بصيغة الجمع) : «نحن نقبل النصح من أي جهة يأتي، والأمة الإسلامية مليئة بعلمائها البررة الذين يشاركوننا بشكل فعال في آرائهم وفي أفكارهم وفي فتاويهم في الجهاد بسوريا» .
هذا التوجه نحو «أهل العلم والصلاح والرشاد» يعني الاحتماء بـ «الأمة» وإشراكها في المشكلات المستجدة وتلك المؤجلة. وهو توجه وجد صداه في الحذر من مصادمة القوى الأخرى في الساحات الجهادية، وامتصاص مخاوفها المستقبلية. لذا فـ «النصرة» تعلن أنها لن تتخلى عن سقوفها الشرعية الرامية إلى إقامة دولة إسلامية و