الخمسة أيام التي منحها الجولاني لـ «الدولة» ، بالنسبة للبعض، أقرب إلى ممارسة الردع على حافة الهاوية من إعلان الحرب على «الدولة في الشام والعراق» .
واقع الأمر أن الفتنة غير المسبوقة، التي تجري وقائعها المباشرة في الشام قد ألقت بظلالها على الساحات الجهادية في العالم الإسلامي وبين أنصار التيار الجهادي في العالم. وفي المحصلة انتهت بدايةً بمخالفة «الدولة» فيما ذهبت إليه من: (1) إعلان تمدد «الدولة» ، و (2) رفضها لمداخلات شرعية وتنظيمية لاحتواء الموقف، و (3) الإصرار على استنساخ تجربة العراق بما فيها التمسك بذات التأصيلات الشرعية وإسقاطها على الساحة الشامية حتى في مسألة المحاكم الشرعية، و (4) الرعونة والعناد في التعامل مع القوى الجهادية والمسلحة، و (5) عدم قبول أية صيغة تحاكم شرعي ما لم تكن «الدولة» جزء منها.
كما انتهت، على الأقل، إلى تباين في المواقف وافتراقات وقعت ما بين: (1) التحذير، و (2) توجيه اللوم لـ «الدولة» ، أو (3) إبداء أقصى درجات الحذر تجاهها وحتى الريبة منها، أو (4) رفع الغطاء الشرعي عنها، وحتى (5) إدانتها، .. مواقف وتباينات عبر عنها بعض من أشهر الرموز الجهادية كالشيخ ناصر العلوان والشيخ أبو محمد المقدسي والشيخ أبو قتادة والشيخ د. هاني السباعي، والشيخ د. طارق عبد الحليم، ود. يوسف الأحمد، فضلا عن (6) الصمت الذي ضرب الغالبية الساحقة من المشايخ، وكذا (7) فروع «القاعدة» في العالم، و (8) التيارات الجهادية و (9) المجموعات العقدية التي نأت بنفسها، كما تقول، عن مواطن الخلاف قبل أن يستفحل.
الأسوأ في هذه الفتنة أنها دفعت أقرب المناصرين للتيار الجهادي و «الدولة» كالشيخ د. طارق عبد الحليم والشيخ د. هاني السباعي إلى التدخل، بعد تريث طويل، وإبداء الرأي بدرجة عالية من المسؤولية دون أن يخلو التدخل من لحظات غاضبة في بعض الأحايين.
لكن، وبقطع النظر عن وقائع الفتنة فضلا عن الخلاف مع «النصرة» ، فمما ينبغي قوله أنه إذا كانت «القاعدة» ، أو «الدولة» بالأخص، تقدم كل منها نفسها بوصفها «أطروحة عقدية» وليس «أطروحة أيديولوجية» ؛ وإذا كان من واجب «الأمة» وحقها أن تكون شريكة في الجهاد؛ فمن المفترض أن تحصل على ردود عقدية وشرعية صريحة. ولأن فتنة الشام ليست بوزن فتنة الجزائر التي بقيت محصورة في الإطار المحلي؛ ولأنها مهوى أفئدة «الأمة» ، فإن تداعياتها بالغة الخطورة. ففي كل بقاع الأرض ثمة مجاهدون ومناصرون وتيارات مدنية ذات طابع عقدي، صارت معرضة لانقسامات طاحنة. وفي السياق يمكن معاينة قسم واقع في حيرة قاتلة، وقسم ينزوي بعيدا، وقسم يَغْرُز عميقا في الغلو، وقسم ضل الطريق، وقسم مخترق يلعب دور الوزغ في الشبكات الإسلامية ومواقع التواصل الاجتماعي ... وغدا الجهاد يتعرض لأذى شديد، فيما القوى الجهادية ورموزها يتعاملون مع «الأمة» بما يشبه الطلاسم أو كما تتعامل القوى الإسلامية التقليدية معها بمنطق القمة والقاع .. فإذا كان الجهاد مكشوفا للأمة فينبغي أن يبقى كذلك شريكا لها وليس تابعا. إذ من الجريمة بحق الأمة