وفي أواخر القرن العشرين (1999) كان مجلس النواب التونسي يناقش قانون يعتبر الزواج بموجبه شراكة بين طرفين متساويي الحقوق والواجبات فيما يبدو ضربة في الصميم لأحكام الميراث في الإسلام، وهو ما حصل. بل أن النظام جعل من فرص المرأة التونسية في التقاضي والعمل والدراسة والتحرر أكثر من فرص الرجل وحقوقه. بل أن الحداثة ونظمها الدستورية والقانونية ما اجتهدت في أمر أو شيء كما اجتهدت في تجريد الرجل التونسي من حق «القوامة» . وهو ما أشعر التونسي بالمهانة وانعدام الحيلة في مواجهة الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين وشريعتهم.
انتظر التوانسة من الثورة أن تعيد لهم بعض ما انتزع منهم دون جدوى. فقد نزل الشيخ راشد الغنوشي إلى تونس بعد الثورة قادما من لندن ليجيب على سؤال عن تونس المستقبل، فكانت المفاجأ أن قال: «لن نتنازل عن الحداثة ولا عن اقتصاد السوق» !! لم يكن هذا ما انتظره الشباب التونسي دون الإناث. بل زاد على ذلك حين سئل عن مجلة الأحوال الشخصية فقال: «هي اجتهاد إسلامي» !!! مع أنها لا علاقة لها بالإسلام ولا بالاجتهاد بدليل محتواها فضلا عمن وضعها أصلا. وكانت لفتة مثيرة تلك التي أوردها الزميل عمار عبيدي في دراسة له حول «نشأة السلفية في تونس» عن مفاخر الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، ففي تصريح له أدلى به لصحيفة «لوموند - 21/ 3/ 1976» الفرنسية، أبدى اعتزازه بثلاثة انجازات هي الأكثر فخرا في حياته، حين قال: «أعتز بثلاث قضايا؛ أغلقت جامع الزيتونة، وحررت المرأة، وأصدرت قانون الأحوال الشخصية الذي يقطع علاقة الأسرة بالتشريع الإسلامي» !
لذا لم يكن من المفارقات أن يوصف التوانسة والليبيون بأنهم الأكثر تشددا في «الدولة» . فحين التحق هؤلاء في الشام اختاروا جبهة «النصرة» ، كما فعل الكثير من القوقازيين، باعتبارها جماعة عقدية تلبي شغفهم بالانتصار لذواتهم عبر سلطان الشريعة. لكن الجبهة كبحت جماحهم، ولما التحقوا بـ «الدولة» وجدوا ضالتهم!!! فصاروا تبعا لذلك يضربون بسيف الشريعة كل ما بدا لهم مظهرا من مظاهر الحداثة.
وللإنصاف فليس كل هؤلاء متشددون أو مسؤولون عن التشدد. لذا ثمة من ينصف «الدولة» في هذه الجهة، وثمة من يصب جام غضبه عليها في جهة ثانية. ولعل هذا يرجع إلى تباين الوعي والثقافة والفهم فيما بين المجموعات. فقد توجد مجموعة في منطقة ما أو على حاجز تتمتع بقدر من الوعي والفهم مما ينعكس إيجابا في علاقتهم مع الناس والجماعات الجهادية في حين تجد مجموعة أخرى على النقيض من ذلك.
يبدو أن أبو عياض التونسي، «أمير أنصار الشريعة بتونس» ، لاحظ المشكلة وما تسببه من خطر فادح فاضطر للتدخل عبر بيان صوتي صدر غداة اندلاع القتال في 14/ 1/2014 بعنوان: «بيان نصرة وتأييد لإخواننا المجاهدين في الشام» . وافتتح البيان واختتمه بفقرة، ذات دلالة، تقول: «أذكّر كلّ من سيطّلع على هذا البيان أنّني أعتبر كلّا من الدولة الإسلاميّة في العراق والشام وجبهة النصرة والفصائل المجاهدة إخوة لي