لكن ما هي سلطة «الدولة» مثلا في مسائل الأحوال المدنية كالزواج والطلاق والميراث والعقود ووثائق السفر، إذا كانت كلها، من ألفها إلى يائها، تصدر عن حكومة النظام في العراق والشام؟ وما هي سلطة «الدولة» في مسائل التعليم والصحة والتجارة والاقتصاد؟ وما هي سلطة «الدولة» في نظام العملة الشائع دوليا ومحليا؟ وما هي سلطة «الدولة» في تأمين احتياجات المهجرين والنازحين والمعتقلين والضحايا والمختطفين والمغتصبين والمغتصبات؟ وما هي سلطة «الدولة» في تأمين الحقوق والأرزاق ورد المظالم؟ وما هي سلطة «الدولة» في تشغيل المرافق الحساسة وقطاع الخدمات؟ وما هي سلطة «الدولة» في النزاعات العسكرية والأمنية بين القوى المقاتلة، وكذا النزاعات الاجتماعية والمشكلات الموروثة، ناهيك عن تلك الناشئة عن حالات الحرب؟ وما هي سلطة «الدولة» في مواجهة النظام الدولي والنظام الطائفي الذي يمارس التدمير والقتل اليومي؟ وما هي قدرة «الدولة» في توفير الأمن والحماية وحفظ الأرواح والممتلكات؟ وما هي قدرات «الدولة» على القيام بالغزو؛ باعتباره الشرط الحاسم في «التمكين» ؟
(4) الوَجَسْ
هو الخطأ الثالث الذي جرى استنساخه وبإصرار عجيب!!! فـ «الجهاد العقدي» هو جهاد بالغ التكلفة. ولمن يعجب من التعبير عليه أن يعلم جيدا أن سقف الجهاد العقدي هو شعار «الدم الدم .. الهدم الهدم» . أي إعلان الحرب على منظومة النظام الدولي ومؤسساته وتشريعاته وأدواته وأنماط حياته على كل مستوى سياسي واقتصادي وعلمي وتجاري وثقافي وقيمي وإنساني وحتى حضاري واستبداله بنمط حضاري إسلامي يقوم على «تطبيق الشريعة» ولا شيء غير الشريعة. لذا فإن الالتحاق بصفوف «الجهاد العقدي» مكلف لكل من يفكر به. ولا يعني هذا بالضرورة، كما يحلو للبعض أن يتذاكى، أن «الجهاد الوطني» وجهاد الدفع هو جهاد في سبيل الطاغوت!!! إلا من اختار أن يجاهد تحت رايات أيديولوجية كالقومية والماركسية واللبرالية والعلمانية. وتبعا لذلك فـ «الجهاد الوطني» هو «جهاد عقدي» ، إلا أن التجارب المريرة على مدار العقود الماضية أثبتت أنه قابل للاحتواء والاستدراج طالما بقيت وقائعه محكومة بسقف الحدود الوطنية للدولة القائمة حاليا أو النظام الدولي. فإذا قيل أن الأمة ليست مضطرة أن تحارب العالم كي يصبح جهادها عقديا فمن الأولى أن يقال أيضا بأن أي «تطبيق للشريعة» ، جزئيا أو كليا، سيجعله يرتقي إلى مصاف «الجهاد العقدي» سواء قبل بهذا أو رفض. فالأرض التي تُحكم بالشريعة ستكون قطعا «دولة توحيد» لها أن تعترف بالجغرافيا، بل أن مسؤوليتها ينبغي أن تصل شرعا إلى حيث يصل «التوحيد» وليس إلى حيث تنتهي الحدود، ودون ذلك هو التلبيس بعينه.
ولعل أشد ما يميز «الجهاد العقدي» ، في الواقع، أنه جهاد باتجاه من النوع الذي يتعرض دعاته والفاعلون فيه إلى المطاردة والتصفية في شتى أنحاء العالم. إذ يكفي أن تكون عضوا في «القاعدة» أو إحدى أدواتها أو في جماعة عقدية أو نصيرا في بعض البلدان، حتى تجد نفسك موضع اتهام أو اعتقال أو مراقبة أو قتل. ومن الطبيعي أن يتوقع حَمَلة هذا الاعتقاد من الجماعات الجهادية الحروب والمكائد والتحالفات الدولية وحملات التشويه والتحريض التي لا تتوقف أبدا. ومن الطبيعي أكثر من ذلك أن يصاب أعضاء وقيادات مثل هذه