فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 413

غالبا ما يحتج البعض من المناصرين بأطروحة «التمكين» و «تطبيق الشريعة» لتبرير «إعلان الدولة» وشرعيتها، وإذا ما ضعفت «الدولة» وعجزت، بين ليلة وضحاها عن «تطبيق الشريعة» ، أو انزوت تحت الأرض أو تلاشت؛ تراهم يستشهدون بكون احتلال إمارة أفغانستان لا يعني زوالها بدليل بقاء الإمارة وأميرها الملا محمد عمر، فضلا عن استمرار فعالياتها وصدور بياناتها باسم الإمارة، وكأن «إعلان الدولة» هو الغاية فعلا أكثر منه إقامة الدين. لكن أحدا لم يعد يتحدث، من قريب أو من بعيد، عن «إمارة أبين» وزوالها مثلا، ولا عن «دولة أزواد» في الساحل الأفريقي، ولا عن مصير «تطبيق الشريعة» فيهما. فما الذي يجعل «التمكين لدى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» استثناء!؟

أما مقارنة حال «الدولة» وظروفها وأعداءها بحال دولة المدينة المنورة من حيث «التمكين» فهو خطأ فادح. إذ أن دولة المدينة، إنْ صح التعبير، وُجدت في «مرحلة النبوة» ، وبدعوة من أهلها، بخلاف «دولة العراق والشام» التي لم تحظ بأية دعوة من أحد، فضلا عن أنها أُعلنت في «مرحلة الجبر» ، حيث لا وحي ولا نبوة ولا خلافة ولا ملك رحيم أو غير رحيم، وشتان بين دولة مؤيدة من الوحي وأخرى تمددت رغم «كل ما سيقال» ، دون مشاورة أحد إلا من «نثق بدينهم وحكمتهم» ، علاوة على ما يحيط بها من أعداء أو يداخلها من خصوم من كل جانب.

كان من الممكن أن تكون أنجح لو بقيت الإمارات ملتزمة بالبرنامج اليتيم للتيار الجهادي العالمي الذي عبر عنه أبو بكر ناجي في كتابه الشهير «إدارة التوحش» . ففي حالة جهاد الدفع تبدو المسألة هنا إدارية لمنطقة توحش لم ترْق بعد إلى مستوى الحاجة إلى إمارة أو دولة. فالإدارة توجب على القوة المتغلبة النظر في المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإغاثية والقضائية الناجمة عن حالة الحرب وفراغ السلطة، لكنها لا تلزمها، والعدو يحيط بها من كل جانب، في ممارسة سلطة ليس هو أوانها أو القدرة عليها ولا هي دعيت إليها.

أي تنظيم بإمكانه، إذا رغب، أن يتحمل وزر إدارة مناطق التوحش. وكان بإمكان «الدولة» ، ولما تزل، أن تستمر كدولة دون أن ينقص ذلك من تطلعاتها وطموحاتها، إنْ لم يزد من قبولها، لو أنها تصرفت كتنظيم واضطلعت بمهمة الإدارة، بقدر المستطاع، دون أن تضطر للدخول في مشكلات السلطة مع القوى الأخرى وحتى مع المجتمع. لكن أن تتصرف كدولة، مع عدم القدرة، فمن الطبيعي تتعرض لمساءلات مشروعة من الجميع، وعلى كل المستويات. ولأن أية دولة، حتى دولة الخلافة، لا بد وأن تخضع للمساءلة الشرعية والقضائية وإلا تحول الأمر إلى ما يشبه سلطة الكهنوت التي تعتقد أنها الوصية على الدين والعباد من فوق سبع سموات.

لا ريب أن «الدولة» تحملت أكثر من غيرها وزر الأمن، خاصة في حلب وإدلب والجزيرة، حين شرعت في ملاحقة كتائب اللصوص والمجرمين والقتلة والمنحرفين الذين استغلوا فراغ السلطة وعاثوا في الأرض فسادا، فهذا لا ينبغي أن ينكره أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت