التسعينات، لكنه الآن يضرب منطقة الساحل مجددا وكذا الصومال والعراق وسوريا. ولأن الأيديولوجيا لا تنمو وتترعرع إلا في بيئة صراعية فمن الطبيعي أن تكون مخرجاتها دموية إذا ما وجدت سبيلا لها في صلب التيارات المسلحة، بخلاف الجماعات الإسلامية المدنية التوجه التي تتخذ من البيانات السياسية سبيلا للتراشق وتصفية الحسابات. هذا الانزلاق يتجلى الآن في استنساخ التجربة العراقية.
وبحسب البعض فإن المشكلة في العراق بدأت منذ اللحظة التي أعلن فيها أبو عمر البغدادي «دولة العراق الإسلامية» . ثم تصاعدت في خطاب البغدادي حين وصف «المستنكفين» عن البيعة بـ «العصاة» ، رغم تراجعه عنها فيما بعد. مبدئيا لا يمكن الاعتماد على نوايا الزرقاوي بإعلان الإمارة في غضون ثلاثة أشهر. فالرجل قضى نحبه، ولا يصح الركون إلى النوايا، إذ لا أحد يعلم الغيب فيما إذا كانت «الدولة» ستعلَن أو يتأخر إعلانها أو تُلغى الفكرة برمتها. لذا يبدو غريبا أن يتحدث أبو بكر البغدادي عن أن تمدد «الدولة» باتجاه الشام هو «مطلب شرعي» !!! فالذي نعرفه يقينا أن إعلان «الدولة» في العراق سبقته أربع تاريخيات مهدت له بالكامل، وكل تاريخية منها كانت تحمل وقائع مهولة أفزعت قوى الأرض برمتها. ولم تتنكر أية تاريخية لارتباطها العضوي بتنظيم «القاعدة» ، ولم يسبق أن تنكرت الدولة ذاتها لـ «القاعدة» ، بل أن «الدولة» ما كانت لتنولد إلا من رحمها، وما كان لها أن تنوجد لولاها. فما الذي حدث في الشام حتى يمكن اعتبار تمدد «الدولة» بمثابة التاريخية الخامسة والخارجة عن «القاعدة» ؟ وما الذي حدث حتى تتنكر «الدولة» لـ «القاعدة» ، وتعلن هذه الأخيرة قطع علاقتها بـ «الدولة» ؟ هل هي الحاجة الشرعية!؟
إذا كانت جبهة «النصرة» بالنسبة للبغدادي هي الابنة الشرعية لـ «دولة العراق الإسلامية» فهي بنظر عامة المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، ابنة الشام وابنة الثورة وابنة المجاهدين وابنة المسلمين حتى قبل أن تضطر لتعلن أنها ابنة «القاعدة» ، أو يعلن البغدادي أنها ابنة «الدولة» . فما شأن الناس إنْ كانت «النصرة» ابنة هذا التنظيم أو ذاك طالما أن المقاصد بها تتحقق والنصرة من حولها تتوسع؟ إذ أن الجهاد هو بالأساس أطروحة عقدية في الصميم وذروة سنام الإسلام وليس أطروحة تنظيمية ضيقة الحال والمآل. وبالتالي فإذا كانت ردود الفعل التنظيمية على الساحة الشامية تحديدا قد صبت، نسبيا، في صالح «الدولة» فإن الغالبية الساحقة من ردود فعل الأمة والعلماء والمشايخ والدعاة والمجاهدين والمفكرين وإجمالي النخب الإسلامية والجهادية وحتى رموز التيار الجهادي العالمي وقادته كانت على النقيض من ذلك!!! فأي مصلحة شرعية تحققت للأمة أو للجهاد من هكذا إعلان؟
لا ريب أن تمدد «الدولة» إلى الشام استند إلى الأيديولوجيا وليس إلى الشريعة. إذ لم يأخذ بعين الاعتبار أية مسوغات شرعية بدءً من الشورى وانتهاء بالسياسة الشرعية. بل أن مبدأ الشورى تم تجاهله بالكامل سواء على مستوى «جبهة النصرة» ، أو القيادة العامة لتنظيم «القاعدة» ، أو الجماعات الجهادية في سوريا، أو أهل الحل والعقد في العراق والشام، أو على مستوى العلماء والمفكرين والخبراء والمتابعين وحتى الأنصار. وبالإجمال لم يكن