بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة:
{صِبْغَةَ اللَّهِ}
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، أما بعد:
مع القرآن
{صِبْغَةَ اللَّهِ}
وردت {صِبْغَةَ اللَّهِ} في القرآن في موضع واحد في سورة البقرة، والصبغة ليست بمعنى الطلاء، الطلاء كالغشاء يزول، فالطلاء كالغشاء وزنًا ومعنى، لكن الصبغة تتخلل المصبوغ وتصير من ماهيته وتتماهى فيه.
{صِبْغَةَ اللَّهِ} وردت هذه العبارة أو هذا اللفظ {صِبْغَةَ اللَّهِ} في قول الله تبارك وتعالى في سياق الآيات قال الله سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} هذه الآيات قول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} اليهود يقولوا كونوا هودًا تهتدوا، والنصارى يقولون كونوا نصارى تهتدوا، كل أمة تدعو أمة الإسلام إلى الهداية حسب زعمهم إلى منهجهم، فالنصارى يدعون المسلمين إلى ملتهم واليهود يدعون المسلمين إلى ملتهم ويزعمون أنّ الهداية فيما هُم فيه، فهي دعوة واستقطاب من الأمم المخالفة لأمة الإسلام.
وكان الجواب من الله تبارك وتعالى {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
قال الله سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ملة إبراهيم التي يزعم اتباعها اليهود والنصارى ليست اليهودية ولا النصرانية، قال الله سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} نحن أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، نحن الذين آمنَّا مع محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ونحن الوارثون لملة إبراهيم عليه السلام، وبقية الملل هي المخالفة وهي المنحرفة وهي الضالة عن ملة إبراهيم عن ملة التوحيد.
أمرَ الله تبارك وتعالى الأممَ باتباع ملة إبراهيم التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال ربي سبحانه وتعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بل أمر الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم باتباعها، وملة إبراهيم هي التوحيد كما سيأتي معنا، قال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فهو وحيٌ من الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب اتباع ملة إبراهيم، الأمر للجميع {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} وأمر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته باتباع ملته {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
ملة إبراهيم عليه السلام هي: الإسلام والاستسلام لله ومجانبة الشرك وأهله، مجانبة الشرك والمشركين، الولاء والبراء.
أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام فقال ربي جلّ شأنه عن إبراهيم: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} جاءه الأمر من الله تبارك وتعالى {أَسْلِمْ} أسلم {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} دون تلكؤ دون تباطؤ، استسلام مباشر لأمر الله تبارك وتعالى، وهذا من ملته؛ الاستسلام لأمر الله، الإسلام له والاستسلام لأمر الله ولشرعه قولًا وعملًا. وهي وصية إبراهيم عليه السلام ويعقوب لبنيه أن يكونوا على الإسلام كما جاء في الآيات التي تليها: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فملة إبراهيم عليه السلام هي الإٍسلام والاستسلام لأمر الله وشرعه؛ وافق الرغبات أو خالفها، جاء الأمر من الله تبارك وتعالى بالهجرة هاجر إبراهيم عليه السلام، جاء الأمر بمفارقة الأهل والأولاد فوضع زوجته وابنه بوادٍ غير ذي زرع ثم رحل، أمر الله آمنت به واستسلمت له، جاءه الأمر بذبح ابنه استسلم لأمر الله تبارك وتعالى وانقاد له ثم جاء الفرج من الله تبارك وتعالى، فهو الإسلام والاستسلام للباري جلّ شأنه. ونحن نتبع ملة إبراهيم التي أمر الله تبارك وتعالى بها إبراهيم عليه السلام الذي وصفه الله تبارك وتعالى بأنه كان أُمَّة، أمة بمعنى إمام أو أنه كان بحجم أمة أو بثواب أمة، وهكذا الأنبياء والصالحون المقتدى بهم لهم أجرهم وأجر من تبعهم، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} فوصف الله تبارك وتعالى إبراهيم بأنه كان أُمة، كان إمامًا قانتًا لله، والقنوت هو الدوام على العبادة وعلى الطاعة، دائمًا في طاعة الله تبارك وتعالى وفي عبادته، والقنوت أيضًا بمعنى طول القيام في الصلاة، {كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} متبرئًا من الشرك ومن المشركين، مفاصلة مع أهل الباطل، مفاصلة مع الشرك، ولاء وبراء، شاكرًا لأنعمه تبارك وتعالى بالقول والعمل، اجتباه الله وهداه إلى صراطٍ مستقيم، قال الله سبحانه وتعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} .
ونحن أهل الامتداد التاريخي والوراثة للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، قال الله سبحانه وتعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} نحن أهل المنهج ومن عدانا هم الشاذون المخالفون للإسلام المجانبون للملة القويمة، التوحيد دين جميع الأنبياء والمرسلين.
ثم فصَّل الله تبارك وتعالى في أنّ الهدى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} فالهداية هي في اتباع السلف، النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان، هذه الآية من الأدلة على وجوب اتباع منهج السلف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} هم المشاقون وهم المنشقون {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} لا تخافوا منهم لا تقلقوا من كيدهم {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
هذا المنهج وهذا الدين والتوحيد والامتداد التاريخي للرسالة النبوية من التوحيد والإيمان والطاعة والقنوت لله تبارك وتعالى والشكر لأنعمه تبارك وتعالى؛ جميع هذا: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} هذا ما صبغنا الله تبارك وتعالى به من الإيمان والتوحيد والطاعة والانقياد والهجرة ومراغمة المشركين والبراءة من الشرك وأهله والشكر لأنعم الله تبارك وتعالى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} هذه مهمتنا نحن عبيد لله تبارك وتعالى نعبده كما يريد هو تبارك وتعالى لا كما نريد حسب رغباتنا وأهوائنا، كلا، نعبد الله تبارك وتعالى كما يحب الله تبارك وتعالى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لطاعته ولرضوانه إنه على كل شيءٍ قدير، آمين اللهم آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.