بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السادسة:
{أُمَّةً وَسَطًا}
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، أما بعد:
مع القرآن
{أمةً وسطًا}
قال الله سبحانه وتعالى في الثناء على هذه الأمة وبيان فضيلتها وبيان واجبها الذي تكون عليه، قال الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فأخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنّ هذه الأمة أمة وسط، وهو أمر تكليف من الله تبارك وتعالى وتشريف: تكليف لها أن تكون على الوسط، وتشريف أنّ الله سبحانه وتعالى اختار لها الوسط.
وهذه الآية العظيمة جاءت في سياق الحديث عن تحويل القبلة، قال الله سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فسمّى الله تبارك وتعالى من خالف قبلة المسلمين {سفهاء} الذين يعترضون على الله تبارك وتعالى والذين يعترضون على حكم الله وعلى شرع الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يكون هذا إلا سفاهة وضعف في العقل، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} والسفهاء من الناس هم المعترضون على شرع الله تبارك وتعالى المعاندون لأحكام الله تبارك وتعالى؛ الكفار والمنافقون. كما قال الله سبحانه وتعالى عن المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} فالمنافقون يرون ما عليه المسلمين من الإيمان والتزام الشريعة والسير على أمر الله سبحانه وتعالى والاهتداء بسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرونه سفاهة، والله سبحانه وتعالى أخبر أنّ السفه في ترك الإيمان ومخالفة الشرع {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} .
القصد؛ أنّ هذه الآية قول الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} جاءت في سياق تحويل القبلة.
وسمّى الله تبارك وتعالى هذه الأمة وشرّفها بأن تكون وسطًا وكلّفها.
وما معنى وسط؟ ما معنى أنّ هذه الأمة وسط وأنّ الله سبحانه وتعالى اختار لها الوسطية؟
الوسط لها عدة معان منها: الحسن والفضل والخير والخيرية، أي أنّ هذه الأمة خير الأمم وأفضل الأمم وأحسن الأمم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} .
قال الله سبحانه وتعالى في الثناء على هذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الخيرية أيضًا بمعنى الوسط، فهذا من الأدلة على أنّ الوسط بمعنى الخيرية والأفضلية، قال الله سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فخيرية هذه الأمة في إيمانها بالله وقيامها بالواجب الشرعي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فما دامت سائرة على منهج الله تبارك وتعالى على الإيمان وعلى الانضباط بالأوامر الشرعية من الوحي {الكتاب والسنة} فهي في خير.
ومقياس الخيرية لهذه الأمة بمقدار التزامها بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما بعدت عن الالتزام بالوحي بالكتاب والسنة قلّت خيريتها، وإن كانت في مجملها على الخير لكن بقدر ابتعادها عن منهج الله الذي أمر الله به من الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالواجب الشرعي قلّت خيريتها، فخيرية هذه الأمة في إقامتها للدين، خيريتها في اتباعها لكتاب الله ولسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا معنى من معاني الوسطية، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي أمةً خيرة، أمةً مباركة، أمةً فيها العدل.
وهذا هو المعنى الثاني من معاني الوسطية وهو العدل والقصد، بمعنى مجانبة الغلو والتفريط، لا تفريط ولا إفراط، أمة وسط بعيدة عن الغلو وبعيدة عن التفريط، والغلو هو مجاوزة الحد، يعني مجاوزة ما جاء به الشرع، مجاوزة الكتاب والسنة، مجاوزة أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الزيادة في العبادة، التعبد لله بما لم يشرعه، والتفريط هو التقصير عن الأوامر الشرعية عن أمر الله وعن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه الأمة امتن الله تبارك وتعالى عليها وعلى نبيها أن جعلها بعيدة عن الغلو وبعيدة عن التفريط، فوصف الله تبارك وتعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن: {الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} فوصف الله تبارك وتعالى ما بعث الله به محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أحل الطيبات وحرم الخبائث وجاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووضع الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فجاءت هذه الأمة أمة حرة عن القيود وعن الغلو وكذلك حرة من التفلت، قال الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} يعني يشق عليه الأمر الذي فيه المشقة عليكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} يصعب عليه الأمر الذي فيه عنتكم الذي فيه مشقتكم فلا يسعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر الذي فيه مشقتنا بل يهمه ذلك ويغمه.
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} هذه الأمة أمة الوسط، قال الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} هذه الأمة الوسط ذات المنهج المعتدل؛ دينها، قيمها، أحكامها المستمدة من الوحي وكلها دين هي الميزان لقيم الأمم ولحضارات الأمم ولثقافات الأمم ولعاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم، نحكم على السلوك والحضارة بالرقي أو بالتخلف بمقدار قربها من قيم المسلمين، فكلما اقتربت من قيم المسلمين ومن آداب المسلمين ومن أخلاق المسلمين فهي أمةٌ راقية، وإذا خالفت أخلاق وعادات وأحكام وحضارة المسلمين فهي أمةٌ متخلفة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ما تحمله هذه الأمة من الشريعة ومن الدين به القوامة على بقية الأمم وعلى بقية الملل فتنضبط قيم الأمم بقيم المسلمين وتنضبط قيم المسلمين بما عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الميزان الذي نزن به أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا وحضارتنا وأهدافنا ومشاريعنا كلها ميزانها ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو التوسط وهو الوسطية، وما خالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مذموم، لذلك الوسطية هي اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الوسطية: السير على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وليس معنى الوسطية مطلق التوسط بين أمرين لأن هناك ناس يطالبون بالوسطية أو ينادون بالوسطية وحقيقة ما ينادون به هو النفاق: فلا تكون مع المؤمنين ولا تكون مع الكافرين، كن وسط، لا تشارك المؤمنين ولا تقف معهم ولا تدعمهم ولا تقف مع الكفار، كن وسطًا أي كن منافقًا. ومن الناس من يدعو إلى الوسطية يدعو إلى الابتداع يعني يطالب بعدم التزمت وعدم التشدد في اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنّ الأمر فيه سعة ويمكن أن نأخذ من هنا ومن هنا ونخلط هذا بهذا ثم يكون منهج وسط، لا هذا ليس منهجًا متوسطًا هذا منهج مبتدع، والأول منهج منافق.
المنهج الوسط هو: ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
أخبرتنا أم المؤمنين عائشة كما في صحيح مسلم:"كان خلقه القرآن".
إذًا الوحي الذي تنضبط به كل المفاهيم، الوحي الذي تنضبط به كل القيم، الوحي هو القيِّم على المسلمين فلا تصح حضارتهم ولا تقوم قيمهم وسلوكهم وعاداتهم وأعرافهم إلا بما وافق الشرع، وكذلك الشرع هو ميزان لبقية الأمم فالأمة قيِّمة على الأمم والقرآن قيِّم على الأمة، القرآن الكتاب والسنة قيم على الجميع.
وأمة الإسلام أمة فاعلة متفاعلة ذات دور حضاري، مسابقة، ذات إنتاج، ذات رسالة، وهذا ما أمر الله تبارك وتعالى به المسلمين والمؤمنين، قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يصرف عنا معاصيه، إنه على كل شيءٍ قدير، آمين اللهم آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.