الصفحة 46 من 55

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الرابعة:

{يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، أما بعد:

مع القرآن

{يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}

أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين يتلون القرآن، قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} فأخبرنا سبحانه وتعالى أنّ الذين يتلون القرآن حق تلاوته هم الذين يؤمنون به، وأنّ الكافرين -الذين كفروا بالقرآن- هم الخاسرون، خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة وهم وقود النار.

تلاوة القرآن أمرها عظيم، ولكن ما المقصود بالتلاوة؟

التلاوة لها معنيان: التلاوة بمعنى القراءة، والتلاوة بمعنى الاتباع.

التلاوة بمعنى القراءة: يتلو البيان يعني يقرأه، يتلو القرآن يعني يقرأه.

التلاوة بمعنى الاتباع: أن يجعل القرآن إمامًا له ويتبعه ويقتدي به، لذلك نقول التالي الأول والتالي الذي يتبع. فتلاوة القرآن لها معنيان تلاوة بمعنى القراءة وتلاوة بمعنى الاتباع.

التلاوة بمعنى القراءة أي يقرؤونه حق قراءته، ولا يتم ذلك إلا بأمرين اثنين: القراءة الصحيحة، والتدبر السليم. يقرأ القرآن قراءة صحيحة خالية من اللحن، ومع القراءة الصحيحة التدبر.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: والذي نفسي بيده إنّ حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله. هذا كلام ابن مسعود رضي الله عنه.

وتلاوة القرآن مقصد من مقاصد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل الله تبارك وتعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمقاصد، من هذه المقاصد تلاوة القرآن، وهي دعوة إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام لهذه الأمة، قال الله سبحانه وتعالى -عن ابراهيم وإسماعيل-: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

ومنّ الله تبارك وتعالى على هذه الآمة أن أرسل إليها محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتلو عليها القرآن يقرأ عليها القرآن، قال الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

فتلاوة القرآن مقصد من مقاصد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن مقاصد إنزال القرآن التدبر، فأنزل الله تبارك وتعالى القرآن من مقاصد إنزال القرآن أن يتدبره المؤمنون، قال الله سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ، {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} لام التعليل، فأنز الله سبحانه وتعالى القرآن -هذا المبارك- لتلاوته وتدبره، التأمل فيه والاتعاظ به.

التدبر من معانيه الاتعاظ بالقرآن العظيم.

وعاب الله تبارك وتعالى على الذين لا يتدبرون كتابه، قال ربي سبحانه وتعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} لماذا لا تتدبر القرآن؟ هل على قلبك قفل؟

والحياة مع القرآن تلاوةً وتدبرًا حياة طيبة، تختلف حال التالي للقرآن المتبع القارئ له الذي يعيش مع القرآن تختلف حالته النفسية والمعنوية ونظرته للحياة والكون والإنسان، ورحم الله الشاطبي:

وإنّ كتاب الله أوثق شافعٍ ... وأغنى غناءٍ واهبًا متفضلا ...

وخير جليسٍ لا يمل حديثه ... وترداده يزداد فيه تجملا ...

وحيث الفتى يرتاع في ظلماته ... من القبر يلقاه سنًا متهللا ...

هنالك يهنيه مقيلًا وروضةً ... ومن أجله في ذروة العز يجتلى ...

يناشده في إرضائه لحبيبه ... وأجدر به سؤلًا إليه موصلا ...

فيا أيها القاري به متمسكًا ... مجلًا له في كل حالٍ مبجلا ...

هنيئًا مريئًا والداك عليهما ... ملابس أنوارٍ من التاج والحلا ...

فما ظنكم بالنجل عند جزائه ... أولئك أهل الله والصفوة الملا ...

أولو البر والإحسان والصبر والتقى ... حلاهم بها جاء القران مفصلا ...

عليك بها ما عشت فيها منافسًا ... وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت