الصفحة 9 من 32

تسأولات حول بيان"على اي اساس نتعايش"

[الكاتب: سعيد بن علي الغامدي]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . (الأنعام:153)

والصلاة والسلام على رسول الهدي ونبي التقي القائل: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) . رواه الحاكم عن أبي هريرة. وهو في صحيح الجامع.

أما بعد:

نشر موقع"الإسلام اليوم: ما وصف بأنه خطوة جرييئة، وهي عبارة عن ورقة جوابية تخاطب الطبقة المثقفة في الغرب. وذكر الخبر أن أهل العلم والفكر والثقافة في أرض الحرمين قد تبنوا هذه الورقة."

وقد قرأت الورقة ورأيت اسماء الموقعين عليها، وبشيء من التأمل في مضمون الورقة ظهر لي أنها سقطة مؤلمة لشريحة من المجتمع كان الأمل بعد الله معقودًا عليها في تلمس المخرج للأمة من محنتها، فإذا هذه الشريحة تصبح جزءًا من المحنة.

والورقة عند التأمل مأزق كبير، فالاستمرار في تبنيها خلط للأوراق والمفاهيم وفت في عضد المتطلعين إلى لم الشعث وتلافي الأخطاء والقصور وإصلاح المسار.

والرجوع عنها يشيء بنوع من الإفلاس في التفكير والتصور وقراءة الواقع وسبر المستقبل لدى فئة كانت تعقد عليها الآمال بعد الله تعالى.

ومع هذا فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والله هو الذي يجبر الكسر ويقيل العثرة ويهدي إلى الصواب.

وعليه فإني أتقدم بهذه الورقة مشاركاة مع غيري في إنكار ما أرى أنه منكرًا يجب علي انكاره، وإذا كان الأخوة الذين طلبوا التأييد لهذه الورقة تتسع صدورهم وصفحاتهم للموافق فلتتسع أيضًا لسماع وتقبل الرأي المخالف.

وهذه بعض التسأولات أطرحها لعلها أن تجد طريقًا إلى أنظار وعقول الذين وقعوا هذه الورقة:

· التسأل الأول: قال الخبر:"هذه الورقة الجوابية كما يقول معدو الورقة ليست موجهة للمثقف المسلم"

لماذا إذًا يطلب من المثقف المسلم التوقيع عليها!!؟

· قلتم:"لدينا قناعة راسخة أن على أهل العلم والفكر أن يتمتعوا برؤية بعيدة وعميقة"

مالمقصود بأهل العلم والفكر؟ هل هم من المسلمين أم من غيرهم؟ وإذا كانوا من المسلمين، هل هم شيء واحد؟ أم هم شيء مختلف؟.

· قلتم:"لا تسمح لهم بالجري وراء خيارات يصنعها أفراد، أو دوائر واقعة تحت ضغط واقع لا يراعي الأخلاق ولا الحقوق".

هل ممكن ذكر أمثلة على هذه الخيارات؟

وهل ممكن بيان أسباب رفض هذه الخيارات ما دام أن الدافع وراء تبني هذه الخيارات لا يراعي الأخلاق والحقوق؟.

وإذا كان السبب هو ما ذكرتم من أنها: قد تقود المجتمعات إلى دوامة القلق والحرمان والصراع اللاإنساني.

فما هي المجتمعات المقصودة؟ وما المقصود بالصراع اللا إنساني؟

ثم ماذا عن الخيارات التي يصنعها أفراد ودوائر تحت ضغط الهوى والمصالح الدنيوية الخاصة ويضحون من أجلها بمقدرات الأمة بل وبأغلى ما تملك وهو العقيدة؟.

· قلتم:"وفي مثل هذا المفصل المهم من التاريخ فإننا ندعو المفكرين الأحرار إلى حوار جاد يحقق الفهم الأفضل للفريقين، وينأى بشعوبنا عن دائرة التطاحن والصراع، ويمهّد لمستقبل أفضل لأجيالنا التي تنتظر منا الكثير".

الذي يفهم أن هذه الدعوة موجهة للطرفين معًا، فإذا كنا نستطيع أن نفهم عبارة"المفكرين الأحرار"بالنسبة للطرف الآخر، فإنا لا ندري ما المقصود بهذة العبار ة بالنسبة لنا نحن أهل الإسلام!؟.

· قلتم:"يفترض أن ندعو جميعًا لمشروع حوار نقدمه لعالمنا تحت مظلة العدل والأخلاق والحقوق، مبشرين العالم بمشروع يصنع الخير والأمن له".

وهنا أسأل: كلمة"يفترض"هل تعني: فرض علينا؟ إذا كان كذلك فمن أين أتى هذا الفرض؟ ثم أي عالم هذا الذي ينتسب إليه الطرفان؟ العالم المسلم أم الكافر؟ ثم أين مظلة العدل والأخلاق والحقوق؟ ومن يعيش تحتها الآن؟ نحن أم هم أم لا أحد؟.

· وقولكم"مبشرين العالم بمشروع يصنع الخير والأمن له".

من أين جئتم بهذا المشروع؟ هل هو إسلامي؟ أم كفري؟ أم هجين؟.

ثم هل كان العالم قبل مشروعكم، خال من مشروع يصنع الخير والأمن له؟.

· قلتم:"ثانيًا: قيم نؤمن بها وأسس نهتدي بها: ثمَّة مجموعة من المبادئ والأخلاقيات الأساسية التي تحكم علاقاتنا مع الأمم الأخرى، ولقد أرساها رسول الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أربعة عشر قرنًا قبل أن توجد منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية، منها:"

لماذا أقتصرتم على ما ذكرتم؟ هل لأنها يمكن أن تشكل نقاط إلتقاء بين الطرفين؟ وما ذا عن نقاط الافتراق؟ من يتنازال لمن؟

ثم ماذا بعد أن وجدت منظمات حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية؟ هل بقيت تلك الأسس هي التي تحكم علاقتنا بالآخر؟ أم أن الوضع تغير؟.

وإذا قلتم إن الوضع لم يتغير، و سلمنا أنه لم تغير من الناحية النظرية العقدية عند موقعي البيان ومن يشاركهم وهذا ما أشرتم إليه بقولكم:"هذه الأسس هي ما نؤمن به، وأمرنا به ديننا، وتعلمناه من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم".

فماذا عن الناحية العملية الواقعية على مستوى الأمة وبخاصة في أوساط كثير من مفكريها ومثقفيها وأشد خصوصية عند أصحاب القرار؟ لا أظن أنكم تستطيعون الزعم أن الوضع لم يتغير!

إن خلط المفاهيم وتعويم المصطلحات من أخطر الأمور الواردة في البيان، خذ مثلا ً:

· قولهم:"إننا نؤمن أن الإسلام هو الحق، ولكن من غير الممكن أن يكون العالم كله مسلمًا"

تأمل هذا مع قول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193) ، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (لأنفال:39)

· وقولهم:"وليس من شريعتنا أن نلزم الآخرين بمفاهيمنا الخاصة"

تأمل هذا مع قول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون َ) (التوبة:29) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123)

أم أن الذين تبنوا الورقة يقولون بمرحلية النصوص!؟؟

· قولهم:"إن الإسلام ليس عدوًا للحضارة"

هل الحضار ة شيء خارج عن الإسلام؟

· قولهم:"والإسلام ليس عدوًا لحقوق الإنسان أو الحريات".

ما المقصود بحقوق الإنسان والحريات؟.

· قولهم:"ولكن الإسلام يرفض تحويل الحرية والحقوق إلى أداة للصراع، كما يرفض اعتماد رؤية ثقافية محددة على أنها القانون العالمي الذي يجب تعميمه بالإكراه. بل إن الإصرار في فرض هذه الرؤية ولو كانت تصور على أنها تسامحٌ دينيٌ، لا يقل تطرفًا عما تقع فيه المجموعات المتشددة دينيًا".

إن هذه العبارة من أخطر ما جاء في البيان فهي تنسف الكثير من المسلمات وبخاصة عالمية الإسلام.

وختامًا أقول:

إن هذا البيان إذا لم يكن قد أضر ضررًا بالغًا بالإسلام وأهله واتخذه الأعداء حجة ووسيلة لهدم هذا الدين وإلحاق الأذى بأهله، فإنه لم يزد الشقة في أوساط المسلمين إلا اتساعًا، وليت الذين أعدوا هذا البيان ووقعوا عليه قدموا للأمة بدلًا منه"المفهوم الوسطي المعتدل"الذي زعموا أنهم يقدمونه ويسعون لإشاعته.

هذا والله أعلم

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد

وكتبه: سعيد بن علي الغامدي

الجبيل الصناعية / 23 صفر, 1423هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت