[الكاتب: عبد العزيز الراجحي]
تَبَيَّنَ فِيْهِ تَفْرِيْطُ الطَّبِيْبِ ... الحمد لله، أعز عباده المؤمنين بدينه، وأعز دينه بعباده المُخلَصين، أقام في قلوبهم الدين، فأقاموه وقاموا به، وعز في نفوسهم، فأعزوه، وعزوا به، قاتلوا لإعلاء كلمته، ونصر شريعته، ولئلا يعبد إلا هو سبحانه، وأن يكون الدين كله لله، هانت عليهم أرواحهم في سبيله فبذلوها، وأموالهم فأنفقوها، وأبناؤهم فقدّموها، إنْ والوا أحدا، ففيه - جلّ وعلا - يوالون، وإنْ عادوا، فله - سبحانه - يعادون، رضاهم في رضاه، وسخطهم في سخطه، فأنى لأعدائه برضى عباده، وقد أغضبوا ربَّهم جل وعلا؟!.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، المبعوث رحمة للعالمين، ليخرج الناس من عبادة العبيد، إلى عبادة ربّ العبيد، ومن ظلمة الكفر والشرك، إلى نور الإيمان والإسلام، فكان رحمة لمن آمن به، وعذابا ووبالا على مَنْ كفر به، قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على مَنْ خالف أمري، ومَنْ تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد في مسنده (2/ 50) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» رواه أحمد في"مسنده" (2/ 317) ومسلم في"صحيحه" (153) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: « (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) - قال- خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام» رواه البخاري (4557) ، دعى الناس إلى الإسلام، وحثهم على الإيمان، فأسلم مَنْ أسلم، وكفر مَنْ كفر، (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل: 9) ، فمَنْ أسلم كان منّا، له ما لنا، وعليه ما علينا، ومَنْ لا، فإمّا الجزية، وإمّا السيف.
ثم أما بعد:
فقد اطلعت - مفجوعا موجوعا - على"بيان"كتبه بعض مَنْ لم يعرف الإسلام، أو عرفه، وأراد حرفه عن وجهه، لمرض في قلبه، أو هوى في نفسه!، رَدّ به - بزعمه - على بيان المثقفين الأمريكيين، المسمّى «على أي أساس نقاتل» ، ووقع عليه منهم، ستون مفكرا غربيا، وسمّى هذا المخذول بيانه المفترى: «على أي أساس نتعايش» !!.
فطلب الغرب القتال! وطلب السلم! وسعوا في العِزّة، وسعى في الذل (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) (الحج:18) .
ثم جمع لبيانه! عشرات التوقيعات، استكثارا وتغريرا بالعوام وأشباههم! حتى اجتمع عنده نحو مائة وستين توقيعا!.
وقد اجتمع في هذا"البيان": الكذب، والتحريف، والتلبيس، والإخبار عن الإسلام بخلاف حقيقته! وماهو عليه!.
مشابها في ذلك أهل الكتاب، وقد قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران:71) .
ع-وأنا أختصر ما افتراه كاتبوه، والراضون به من الموقعين عليه، في مسائل:
المسألة الأولى
زعموا أنّ من قيمهم التي يؤمنون بها، وأسسهم التي يهتدون بها
· أنّ الإنسان مخلوق مكرم، لا يجوز الاعتداء عليه، مهما كان دينه، ولونه، وعرقه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ(الاسراء:70) !!.
· وحرمة قتل النفس الإنسانية، بغير حق.
· وعدم جواز إكراه أحد في دينه.
· وإقامة العلاقات الإنسانية، على الأخلاق الكريمة! ثم استدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» !! وقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) (الحديد: 25) .
· ثم زعموا: أنّ أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم في الأصل: هو العدل، والإحسان، والبر، واستدلوا بقوله تعالى - المنسوخ بآية السيف: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) .
· وأنّ العدل بين الناس، حق لهم، والظلم محرّم فيما بينهم، مهما كانت أديانهم، وألوانهم، وقومياتهم، واستدلوا له بقوله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: 152) !!.
· ثم ختموا قيمهم، وأسسهم بقولهم: (هذه الأسس، هي التي نؤمن به، وأمرنا به ديننا، وتعلمناه من نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي تتفق بقدر مشترك مع بعض الأسس التي أوردها المثقفون الأمريكيون في بيانهم، ونرى أنّ هذا الاتفاق، يشكل أرضية جيدة للحوار، لما فيه خير البشرية) .
هذا ما زعمه كاتبو"البيان"، ومقرّوه: شيء منه كذب، وآخر حق أريد به باطل، وشيء عَمَّوْهُ لحاجة في أنفسهم!.
وجواب زورهم، وتلبيسهم المتقدّم، من وجوه:
أحدها: أنّ علاقة المسلمين بغيرهم من الكفار، يهود ونصارى وغيرهم، من خلال إحدى ثلاث أمور:
1 -إمّا الإسلام، فإنْ أسلموا، فإخواننا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا.
2 -وإمّا الجزية، يعطوها عن يد وهم صاغرون.
3 -وإمّا السيف، فيقاتَلون، قال الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) .
وقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123) .
وقال (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:5) .
وقال سبحانه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (لأنفال:39) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرتُ أنْ أقاتل الناس، حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» رواه البخاري (25) ومسلم (22) عن عبد الله بن عمر. ورواه البخاري (1400و6924 و7285) ومسلم (20) عن عمر بن الخطاب. ورواه البخاري (393) والترمذي (2608) عن أنس بن مالك. ورواه البخاري (2946) ومسلم (21) عن أبي هريرة. ورواه الترمذي (3341) عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهم جميعا.
وصحَّ عند أحمد في"مسنده" (5/ 352 و358) ومسلم في"صحيحه" (1731) عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، وقال: «اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَنْ كفر بالله، فإذا لقيتَ عدوّك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهنّ ما أجابوك إليها، فاقبلْ منهم، وكفّ عنهم: 1 - ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك، فاقبلْ منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم، إلى دار المهاجرين، وأعلمهم - إنْ هم فعلوا ذلك - أنّ لهم ماللمهاجرين، وأنّ عليهم ما على المهاجرين. فإنْ أبوا، واختاروا دارَهم، فأعلمهم، أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء، والغنيمة نصيب، إلا أنْ يجاهدوا مع المسلمين. 2 - فإنْ هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإنْ أجابوا، فاقبلْ منهم، وكفّ عنهم. 3 - فإنْ أبوا، فاستعنْ بالله، ثم قاتلْهم» ) . ورواه الدارمي (2442) والترمذي (1617) وأبوداوود (2612) والنسائي في"الكبرى" (5/ 207) وابن ماجه (2858) .
وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في"المغني" (13/ 31) : أنّ الكفار ثلاثة أصناف:
1 -أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى.
2 -ومجوس، وهم لهم شبهة كتاب.
3 -ومَنْ عدا النوعين السّابقين.
فالأولان: تقبل منهم الجزية إنْ دفعوها، ويُبْقون على دينهم.
والأخير: لا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف.
ثم قال ابن قدامة: (وهذا ظاهر المذهب، وهو مذهب الشافعي، ورُوي عن أحمد: أنّ الجزية تقبل من جميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب، وهو مذهب أبي حنيفة) .
الوجه الثاني: أنّ في بيانهم الباطل: إبطالًا لجهاد الطلب، وقد قدّمنا أدلة وجوب قتال الكفار، فإمّا الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216) .
ولم يرد في فضل شيء من الأعمال، ما ورد في الجهاد، كتابا وسنة، قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (البقرة:154) . وقال جل وعلا: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171 ) ) (آل عمران) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي: أنْ أُرْجِعُه بما نال من أجر، أو غنيمة، أو أُدخله الجنة، ولولا أنْ أشقَّ على أمتي، ما قعدتُ خلف سرية، ولوددت أنّي أُقتل في سبيل الله، ثم أُحيا، ثم أُقتل، ثم أُحيا، ثم أُقتل» . رواه البخاري (36) ومسلم (1876) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
بل قد صَحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ مات ولم يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نفسَه بغزوٍ، مات على شعبة من النفاق» رواه أحمد في"مسنده" (2/ 374) ومسلم (1910) والنسائي (3097) وأبو داوود (2502) .
وذكر ابن قدامة في"المغني" (13/ 10) : أنّ الجهاد يجب في كلّ عام مرّة، إلا من عذر. فإنْ دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرّة، وجب ذلك، لأنه فرض كفاية، فوجب منه، ما دعت الحاجة إليه.
الوجه الثالث: أنّ العِزّة والكرامة، لمَنْ أكرمه الله بالإسلام، أمّا مَنْ كفر به سبحانه، فهو ذليل في الدنيا، معذب في الآخرة:
قال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8) .
وقال تعالى وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: 18) .
الوجه الرابع: أنّ عصمة الدّم، تكون بالإسلام، وتكون بالذمة والعهد والأمان، ما لم ينتقض ذلك، ومَنْ عداهم، فقد أمر الله سبحانه بقتاله.
المسألة الثانية
دعى أصحابُ البيان، الغربيين عامّة، والأمريكيين خاصّة، إلى: العدل، والإصلاح، والإحسان، والأخلاق، وعدم الفساد في الأرض، وأمور أخرى.
ولم يبينوا - عَمْدا - ما مردّ ومرجع تلك الأمور، وضوابط حُسْنها وقُبْحها، أهو العقل، أم الشرع؟.
فإنْ كان العقل، فبأيّ عقل تُقاس؟ أبعقولِهم؟ أم عقولِنا؟.
وإنْ كان بالشرع، فبأيّ شَرْعٍ؟ شَرْعِنا أم شَرْعِهم؟.
أمّا شرعُنا فلن يقبلوه.
وأما شرعُهم، فإنْ قبلناه، خِبْنا وخسرنا، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44) .
وقد علموا - جميعا - أنّ في حدود تلك الأمور، وضوابطها: خلافا، واختلافا كبيرا بين المسلمين وبين الغرب، بل بين كل فئة وأربابها، أَوَلَمْ يجعلِ الغربُ رئيسَ إسرائيل، وأكبرَ مجرميها: رجلَ سلامٍ! ومن دعاته! وجعلوا ضحاياه وقتلاه، من أطفال وشيوخ ونساء، متطرفين إراهبيين!!.
فكيف يطالبون بشيء لم يعرفوا حدّه بعد؟! وما يدخل فيه، وما يخرج منه؟!.
المسألة الثالثة
قال أصحابُ البيان: (وقد أخبر القرآن الكريم، بأنّ المسيحيين هم الأفضل في أخلاقيات التعامل، من بين كلّ المجموعات الدينية المخالفة للإسلام في قوله: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ) اه.
وجوابه من وجهَيْنِ:
أحدهما: أنّ هؤلاء المُبْطِلين، قد حرّفوا كلام الله، ولبسوا الحقّ بالباطل، وجعلوا ما أنزله الله في عباده المؤمنين به، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: جعلوه في أعدائه الكافرين، مِمّنْ كفر به، وبرسوله صلى الله عليه وسلم.
ولو أكمل هؤلاء المُبْطلون المحرّفون الآية َ، لسيئتْ وجوهُهم، وظهر مينهم، قال سبحانه لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى). ثم قال سبحانه معللا: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ(82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85 ) ) (المائدة) . ثم قال - سبحانه - مبينا حالَ مَنْ بقي منهم على كفره، ولم يؤمنْ به، وبرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (المائدة:86) .
وهذه الآيات الكريمات، نزلتْ في وفد النجاشي، حين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة، وقرأ عليهم صلى الله عليه وسلم سورة"يس"، فبكوا، وأسلموا، وقالوا: «ما أشبه هذا، بما كان ينزلُ على عيسى» .
فلم تنزل هذه الآياتُ في كفار النصارى، وعلوجهم، كما زعم المُبْطلون!.
الثاني: أنّ من خصوصية أهل الكتاب عندنا، الواردة في الكتاب والسنة:
· تحريم موالاتهم مع بقية الكفار، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) .
· وأنّ قتالهم أفضل من قتال غيرهم، قال ابن قدامة في"المغني" (13/ 13) : (فصل، وقتال أهل الكتاب، أفضل من قتال غيرهم، وكان ابن المبارك يأتي من مَرْوٍ لغزو الروم، فقيل له في ذلك فقال: «إنّ هؤلاء يقاتلون على دين» . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم خلاد: «إنّ ابنك له أجرُ شهيدَيْنِ» قالت: وَلِمَ يارسولَ الله؟ قال: «لأنه قتله أهلُ الكتاب» رواه أبو داوود) اه.
· وأنّا لانبدؤهم بالسلام، وإذا وجدناهم في طريق نضطرهم إلى أضيقه، كما صَحّ عنه صلى الله عليه وسلم عند أحمد في"مسنده" (2/ 346و459) ومسلم في"صحيحه" (2167) وأبي داوود (5205) والترمذي (1602و2700) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
· وأنّا ندعوا الله في كلّ فريضة: أنْ يجنبنا سبيلهم وطريقهم، ويهدينا صراطه المستقيم، فنقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وهم اليهود (وَلا الضَّالِّينَ) وهم النصارى.
المسألة الرابعة
ذكر أصحابُ البيان: أنّ لأمريكا جهودًا في تأسيس"منظمة الأمم المتحدة"، وجهودًا في"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، ومؤسسات أخرى شبيهة.
ثم عابوا عليها، أنّها مع كله: أكثر الدّول مخالفة لغايات هذه المؤسسات، ولقيم العدل والحق!!.
ثم مثلوا لذلك، بموقف أمريكا من القضية الفلسطينية، ودعمِها لليهود، ممّا رسم صورة ذهنية عن أمريكا، أنها لا تحترم المنظمات الدولية! ولا تحترم المبادئ الأخلاقية! التي تقوم عليها الديموقراطية!.
والجواب:
· أنّ في القانون الدولي العام - الذي تزعمته وصاغته، الدولُ المنتصرة في الحرب العالمية الثانية - إعزازًا للكافرين، وإذلالًا وإصغارًا للمؤمنين، وإبطالًا للجهاد، وانتقاصًا لحقوق المسلمين، ممّا نراه كلّ يوم ونسمعُه!.
· كما أنّ في"القانون العالمي لحقوق الإنسان": محادة ًلله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإبطالًا لشرعه، وأحكامِه، وحكمًا وتحاكمًا إلى غير ما أنزل الله. وقد أمر الله عبادَهُ المؤمنين، بقتال مَنْ لا يؤمن به، وبرسوله، ولا يحرِّم ما حرَّمَهُ هو ورسولُه، قال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) . وقال: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) .
فهل هذه المخازي والمحادة، سبب مفخرة للغرب، وممدحة لهم؟!!.
المسألة الخامسة
زعم أصحابُ البيان: أنّ تبني الدولة للدّين الإسلامي، ليس معناه التدخل في خصوصيات الأقليات، وإجبارها على التخلّي عن دينها، وإكراهها على الدخول في الإسلام. فقد استقرّ في وعي المسلم، وعُلِمَ من صريح آيات القرآن، أنْ لا إكراه في الدّين).
والجواب: أنّ هذا فيه حَقّ وباطل! فلا يُكْرَهُ كتابيٌّ على الإسلام، إنْ دفع الجزية، ولا يَصِحُّ عقد الذمة المؤبّدة إلا بشرطَيْنِ:
أحدهما: التزام إعطاء الجزية كلّ حَوْل.
الثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يُحْكم به عليهم، مِنْ أداء حَقّ، أو ترك محرَّم. ذكرهما الحجاوي في"الإقناع" (2/ 127) .
ثم ذكر هو - رحمه الله - وغيرُه: ما يلزمهم القيامُ به، والتزامُه، ليبقى عهدُ الذمة ويصحّ، فإنْ نقضوه، حَلَّ دمُهم ومالُهم. وكلُّ هذا، من التدخل في الحريات الشخصية، التي جاء بها الإسلام، ونفى أصحابُ البيان وجودَه!!.
المسألة السادسة
قال أصحابُ البيان: (إننا نؤمن أنّ الإسلام هو الحق، ولكن مِنْ غير الممكن أنْ يكون العالم كله مسلمًا، إذ ليس بمقدورنا جعله كذلك. وليس من شريعتنا أنْ نلزم الآخرين بمفاهيمنا الخاصّة، هذا هو خيارنا الشرعي) .
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ هذا كذبٌ على اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلم.
وحكم الشرع فيما قدّموا وخيارُه، قد قدّمناه في جواب"المسألة الأولى"، وهو أنّا نطالب الكفار جميعا: إمّا الإسلام، وإمّا الجزية، وإمّا السيف. فإنْ تخلف ذلك لضعفنا، لم ننفِ أمرَ الشارعِ وحكمَه به.
الثاني: أنّ دين الإسلام، حق، أَرسلَ الله به نبيَّه محمدًا، وجعله خاتم الأنبياء، ودينه خاتم الأديان وناسخها، وليس بمفاهيم!! وآراء لأحد!.
المسألة السابعة
قال أصحابُ البيان: (ولكننا نقدّم المفهومَ الوسطي المعتدل، ونسعى لإشاعته، وسيجد العالم الغربيُّ فيه فرقًا كبيرًا عن المفاهيم والتصورات التي يحملها عن الإسلام. هذا إذا كان جادًّا في الاعترافِ بنا، وبديننا، ومقدّراتنا. أو على أقلّ تقدير، في القراءة المنصفة، لحقيقة ديننا، ومعرفة قيمنا) .
والجواب من وجوه ثلاثة:
أحدها: أنّ الإسلام الوسطيَّ المعتدلَ، هو الذي بعث الله به نبيَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، ممّا قدّمنا شيئًا من بيان أحكامه. أمّا ماقدّمه هؤلاء المُبْطلون، فليس بالإسلام المحمّدي، وإنما هو دين اختلقوه، وتواطؤا عليه.
الثاني: أنّ الفرقَ الكبيرَ الذي سيجدُه الغربيون، بين الإسلام الذي عرفوه، والإسلام الذي جاء به هؤلاء المُبْطلون: دليلٌ على معرفة الغربيين للإسلام، أكثر مِنْ هؤلاء المنتسبين إليه، المحرّفين لأحكامه، فإن كان أحد، محتاجًا لمعرفة الإسلام، فهم أصحابُ البيان.
الثالث: أنّ الإسلام والمسلمين، ليسوا بحاجةٍ إلى اعتراف أعداء الله بدينهم، وقد أغناهم الله بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ومَنْ وجد في دينِه نقصًا، فإنّ نقصَهُ ذلك في قلبه، لا في دينه!.
المسألة الثامنة
قال أصحابُ البيان: (والإسلام ليس عدوًّا لحقوق الإنسان، أو الحريات، ولكن الإسلام يرفض تحويل الحرية، أو الحقوق، إلى أداة للصراع) .
ثم قالوا: (ومصادرة حقّ الآخرين في الاختيار، تعني بالضرورة، اختيار الصراع) .
وجوابه:
قد تقدّم مرارًا، وهذا باطلٌ مزيّنٌ! فما حقوق الإنسان، وحرياته، التي يرتضيها أصحابُ البيان ويعترفون بها؟!.
· إنْ كانت حقوق الإنسان، التي أُعْلِنَ عنها في المنظمات الدولية، ففيها إبطالٌ لكثير من أحكام الشرع، وتحاكمٌ وحكمٌ بغير ما أنزل الله، وكفرٌ بكتابه.
· وإنْ كانت حقوق الإنسان، وحرياته، التي جاء به شرعُنا المطهَّر، فالغربيون لا يرضون بها، ولا تكفيهم، بل في حقوق الإنسان في الشريعة، ما يعدونه مخالفةً لحقوق الإنسان الدولية! وإلزامُهم ببعضها، يعدونه تطرّفًا عندهم.
فأيُّ الحقوق يريدون؟. وما مرادُهم بتعميتها؟!.
ولا شك أنهم يريدون الأوّلَ، لا الثاني، وقد علمتَ حال الأمرَيْنِ، على أيّ حال.
المسألة التاسعة
قال أصحابُ البيان: (وأيضًا: فإنّ التطرّف الدّيني، ليس مرتبطًا بديانة معينة، وإنْ كنّا نعترف بأشكال متطرفة، مرتبطة ببعض المسلمين كغيرهم) .