الرد على بيان"على اي اساس نتعايش"
[الكاتب: حمد بن ريس الريس]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} الأنعام، واصلي واسلم على نبينا محمد المبعوث بالحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
وبعد:
فبينما نحن نتطلع إلى توحيد الكلمة وجمع الشمل ورأب الصدع إذا بأقوام يطلعون علينا ببيان هو اشد علينا من ضرب السيوف وطعن بالرماح يتبين قارئه خور كاتبه من خلال عنوانه (( على أي شيء نتعايش ) )محاورين فيه جملة من الأمريكان ردًا على ما أصدروه من بيان، وكأنهم وجدوا ضالتهم في صياغة هذا الأسلوب منقضين على أنفسهم مخالفين ماكان من سابقهم يصدق عليهم قول الله عز وجل {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} النحل، فياأيها القاريء قلب صفحاته وتأمل كلماته فستجد من المخالفات الشرعية مالاتبرىء به الذمة بالسكوت عليها ومايوجب لكاتبها والموقعين عليها التوبة قبل أن تقول نفس يا حسرتا على مافرطت في جنب الله، أو تعض على يد الندم من سخط الله تعالى.
يا علماء الأمة اتقوا الله في أمتكم ودافعوا عن عقيدتكم فإن من الإثم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويا أيها المفكرون ليس عيبًا أن يخطئ المرء لكن العيب أن لا يعود (( كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون ) )حديث صحيح.
وقد كتبتُ بعض الملاحظات على سبيل الاختصار مكتفيًا بردود أهل العلم الأخيار فارجع إليها فقد أجادوا البيان بالدليل والبرهان أثابهم الله على ما كتبوا وأسكننا وإياهم فسيح الجنان.
فهاك أخي ما أردت بيانه فما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان وماكان من صواب فمن الله:
أولًا:
قولهم (ليست القوة هي لغة الحوار وإنما الحوار هو لغة القوة) متناسين قوله سبحانه: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} التوبة. وقوله عز وجل {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} . الحشر. وقوله عز وجل {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال. وقوله تعالى {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} آل عمران.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (نصرت بالرعب مسيرة شهر) الحديث. رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، وروى الإمام أحمد حديث بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (بعثت بالسيف حتى يعبد الله لاشريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) الحديث.
وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يامعشر قريش والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ... ) ففي هذا الحديث إنذار لقريش الذين أكثروا على النبي صلى الله عليه وسلم من الإيذاء والسباب أنهم سيقاتلون إذا لم يدخلوا في دين الله ويدعو الاستهزاء والسخرية برسوله، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تكن لهم يومئذ قوة يواجهون بها كفار قريش ولكنه صلى الله عليه وسلم يتكلم من منطلق القوة الإيمانية والثقة بالله عز وجل بالوفاء بما وعده، ولو تأمل هؤلاء الآيات المكية ورسائله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الفرس والرومان وغيرهم لوجدوا أنها مبنية على شيئين لاثالث لهما: الترغيب في ثواب الله عز وجل وتهديدهم بالعذاب وبالوعيد الشديد إن لم يستجيبوا ومن ذلك قصة عتبة بن ربيعة مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث عرض عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم بعض العروض لعله يرجع عن دينه فلنا فرغ قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم سورة فصلت وفيها الوعيد الشديد لمن أعرض عن هذا القرآن وذكر ماحصل لعاد وثمود تخويفا لهذا الكافر من عذاب الله وبطشه ولم يكن يستعمل لغة الحوار المبنية على الضعف والانهزامية.
ثانيًا:
التطلع إلى استجابة الغرب خاصة وأمم الكفر عامة عن طريق الحوار الذي تمت صياغته خاليًا من الأدلة الشرعية ومبنيًا على التذلل لأعداء الله من النصارى بقصد استعطافهم وهذا في الحقيقة مخالف تمامًا لمنهج القرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مع من لم يؤمن بالله واليوم الآخر.
ثالثًا:
لم يفرقوا بين بني الإنسان حيث جعلوا الناس سواسية مستدلين بقوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وتجاهلوا معنى هذه الآية حيث قال ابن كثير رحمه الله (هو إحسان الخلق وتيسير السبل للتنقل في البر والبحر وأنواع الرزق والطيبات) . وظنوا أن الإنسان مهما كانت عقيدته يشمله التكريم وكأن الله عز وجل لم يبغض أقواما من البشر ويلعنهم ويجعلهم شرًا من الأنعام وأن مصيرهم قعر الجحيم ويدل على ذلك قوله عز وجل {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف، ثم إنه سبحانه وتعالى قد بيّن أن هذا الصنف من الناس ليس لهم كرامة حيث يقول تعالى {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} الحج.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فأي كرامة لأمة مهانة ملعونة حتى يقول هؤلاء بكرامة جميع جنس الإنسان فنسأل الله العافية من الجهل بالدين، كما نذكرهم بأنهم قد استدلوا بالآية مبتورة حيث اكتفوا بقوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وذلك أن آخرها يوضح أولها وأن المقصود بالتكريم ماذكره ابن كثير رحمه الله المشار إليه، وقد يستدل أيضأ بما يوضح هذه الآية بقوله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ـ هذا في أصل الخلقة كما يوضح ذلك في قوله تعالى الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ الانفطار ـ {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} ـ مبينًا حال الكافر ـ ثم قال تعالى {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مبينًا حال المؤمن فليتأمله مريد الحق.
رابعًا:
وجوب التفريق بين نفس المؤمن ونفس الكافر الذمي حيث الفرق بينهما بتفضيل المؤمن على الكافر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لايقتل مؤمن بكافر) أما إذا كان الكافر محاربًا فيقتل بلا خلاف بل قتله قربة إلى الله عز وجل كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة. فكيف يساوى بين النفوس وقد فرق الله بينهما؟ فمنها ماهو مكرم ومنها ماهو مهان.
خامسًا:
استدلالهم بقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} على كون الحوار يقوم مقام الجهاد ومناجزة العدو وقد جهلوا أن الآية منسوخة بقوله تعالى {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} الفتح ـ كما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى.
ولو قلنا بعدم نسخها فإن المراد هو عقيدة القلب وأما الظاهر فلا بد من الجهاد من أجله كما ذكره أهل التفسير ـ والآيات والأحاديث الواردة وفعل الرسل وجهاد الرسول صلى الله عليه وسلم والفتوحات الإسلامية من بعده تدل على بطلان قولهم أنه لايجوز إكراه الناس على الإسلام، ثم لو سلّمنا بهذا الرأي لوجب ترك النهي عن المنكر وقتل المرتد وإقامة الحدود وأخذ الجزية على أهل الذمة وهم صاغرون والتضييق عليهم وعدم بدئهم بالسلام مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال (لاتبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) رواه مسلم واحمد وغيرهما، قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى لما سئل عن معنى قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} : (للعلماء في الآية الكريمة قولان: أحدهما أنها وأمثالها منسوخة بآية السيف وهي قوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الآية. وما جاء في معناها مثل قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} والقول الثاني: أنها في أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس إذا سلموا الجزية فانهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام لقول الله عز وجل {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وبذلك يعلم أنه ليس منها حجة لمن زعم عدم وجوب الجهاد في سبيل الله تعالى ويدل على هذا المعنى أيضًا حديث بريدة بن الحصيب المخرج في صحيح مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا وفي آخره قال(فإن أبوا ـ أي الكفار ـ الدخول في الإسلام فاسألهم الجزية فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وهذا محمول على أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس عند جمهور أهل العلم جميعا بين هذا الحديث وبين آية التوبة المتقدم ذكرها ومافي معناها) اـ هـ.
سادسًا:
نبذ الولاء والبراء الذي أوجبه الله عز وجل على المؤمنين تجاه الكافرين حيث يرون أن العلاقات الكريمة مبدأ لابد منه، متناسين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واجماع أهل العلم على منابذة الكفار وعدم التودد إليهم وبغضهم مما قد يؤدي إلى ترك تكفير الكفار وهو الناقض الثالث من نواقض الإسلام (أن من لم يكفّر الكفار أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر) قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْم َ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ المائدة.
سابعًا:
مساواة الناس مهما اختلفت أجناسهم وأديانهم من غير توضيح للعدل المراد به في الرسالة إذ أن ما يطالب به النصارى أن يكون العدل هو ما يوافق أهوائهم ويتماشى مع عقيدتهم، حيث بيّن الله تعالى انهم يساوموننا على ديننا ولا يرضون بديلًا عن الكفر بالإسلام والإيمان بالطاغوت والتمشي بموجب قراراتهم وقوانينهم الكافرة وإن لم نستجب لهم فإنهم يرون منابذتنا وقتالنا حتى نكون على ملتهم كما قال تعالى عنهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} البقرة. وقال عز وجل {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} النساء. وقال تعالى
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} البقرة. ـ وغير ذلك من الآيات ـ فأي عدل يرضون به وأي مساواة ترضيهم غير العدول عن الإسلام إلى النصرانية؟؟ ومهما أعطينا الدنية في ديننا فإنه لايكفي في إرضائهم ولا إقامة العدل فيما بيننا وبينهم، فأرجو أن يتأمل مريدوا الحق في هذا حتى لايلتبس الحق بالباطل والهدى بالضلالة.
ثامنًا:
لم يفرقوا في محاورتهم لأهل الكتاب بين الذين ظلموا وغيرهم حيث جعلوهم سواء مستدلين بقوله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل. وقد قال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} . ففرق سبحانه بين من ظلم وبين من لم يظلم وجعل لكل منهما اسلوبًا يناسبه، علمًا أن هؤلاء المخاطبين ليس على وجه الأرض منهم أحد أظلم منهم ولاأشد تهجمًا على الإسلام والمسلمين منهم. قد استوجب قتالهم وإضعاف قدراتهم حتى يؤمنوا بالله وحده.
ولو فرضنا أن المخاطبين ليسوا معنيين بالظلم فكان من الواجب أن يكون الحوار معهم على أسلوب القرآن الكريم الذي لا يتغير ولا يتبدل إلى قيام الساعة وكذا مراسلاته صلى اله عليه وسلم ومكاتباته لزعما الكفار وفي زمانه أن يكون الحوار مبنيًا على الترغيب في الإسلام والترهيب والوعيد على من حاد عنه ورضي بغيره بديلًا وأن يكون الكلام من منطلق العزة والقوة تمشيًا مع القرآن الكريم والسنة النبوية لا بالأساليب المائعة المستحدثة ـ وبالله التوفيق ـ
تاسعًا:
التنديد لما حصل لأسواق التجارة العالمية ووزارة الدفاع في أمريكا متناسين الظلم الذي تتبناه هذه الدولة في جميع أرجاء العالم حيث مامن مجزرة إلا ولها يد فيها إن لم تكن هي صاحبة الشأن مما يبيّن للعالم أجمع أنها دولة غير ملتزمة بمواثيق ولاعهود فهي دولة محاربة تستحق القتال والمحاربة عملًا بقوله تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التوبة. وقوله تعالى {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} البقرة. وقال تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} البقرة. وقال تعالى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} التوبة. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عن الوليد بن مسلم قال حدثنا صفوان بن عمرو بن عبدالرحمن بن جبير عن ابن نفير أنه كان في عهد أبى بكر رضي الله تعالى عنه إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال إنكم ستجدون قومًا مجوفة رؤوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف فوالله لأن اقتل رجلًا منهم أحب إلي من اقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله تعالى يقول {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} رواه ابن أبى حاتم، وإن من اعظم البلايا ومايتفطر له القلب المشاركة في شعورهم واحساساتهم في الحادث المذكور من هؤلاء المثقفين ـ هدانا الله وإياهم ـ متساهلين بجانب الولاء والبراء وكأنهم لم يطلعوا على أقوال أهل العلم في الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعادة في الله ولم يقرأوا قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المجادلة، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ .. } الآية ـ الممتحنة.
عاشرًا:
وصفهم للنصارى بأنهم أقرب الناس استجابة للحق من غيرهم مستدلين بقوله تعالى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} المائدة، ولم يكملوا الآيات التي بعدها ليتحقق المعنى المراد به في الآية وهو قوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} الآيات.
وفي استدلالهم بهذه الآية ما يوحي بأنهم يرون النصارى فيهم خير يقرهم الإسلام عليه ولاشك أن ذلك باطل من وجوه نذكر بعضها على سبيل الاختصار:
1 -انهم ينتسبون لدين محرف لايصلح الاحتجاج به على كونهم أقرب إلى الإسلام كما قال بعض أهل العلم كابي يعلى (أن مقالة النصارى أخبث من مقالة اليهود) .
2 -كفرهم بنبيهم عيسى عليه السلام وذلك أن جعلوه إلهًا من دون الله كما قال تعالى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} المائدة، وأيضًا كذبوه لما بشرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} الصف. وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الجواب الصحيح وابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه هداية الحيارى فارجع إليه.
3 -كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به مع أنهم يعلمون بنبوته ورسالته في التوراة والإنجيل قال تعالى {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} البقرة.
الحادي عشر:
تعريفهم للإرهاب والتفصيل في ذلك من دون أن يذكروا الإرهاب الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم وماذكره النبي صلى الله عليه وسلم في سنته وكأن الإرهاب هو مايراه الطاغوت الأمريكي! والذي يعني به محاربة الإسلام وأهله بتقتيل الرجال وانتهاك الأعراض ونهب الثروات وفرض الهيمنة على العالم، ويتبين من خلال قراءتنا للكلام عن التطرف المذكور في ذلك الحوار أن المقصود هو الاستجابة للغرب فيما يلوحون به من ضرب المجاهدين في سبيل الله، فيا بؤسًا لتلك المحاورة التي يتكاتف فيها هؤلاء المفكرون مع أعداء الإسلام على أولياء الله المؤمنين، ألا يخشى هؤلاء المفكرون من حرب الله لهم وتعذيبه إياهم بما جنوه على المؤمنين المجاهدين الصابرين، أين هم من قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} الأحزاب.؟ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.، وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الثاني عشر:
التهجم على المجاهدين ووصفهم بأنهم معتدون على دولة آمنة. ولاشك أن هذا من التنازل عن حقوق المسلمين الذين هم أنفسهم ينادون به كما أن في ذلك إعطاء الدنية في الدين والتملق لأعداء رب العالمين.
وهنا نتساءل هل هذه الدولة مسالمة؟ إن هذا السؤال يحتاج إلى جواب منصف ممن يعيش بقلبه مع إسلامه وعقيدته وإخوانه المضطهدين في كل مكان على يد هذه الدولة الآمنة في نفسها المعتدية على غيرها والمتغطرسة بكبريائها وعظمتها على الشعوب الإسلامية ويبدو من أفعالها الاستهتار بمن لم يكن معهم على عدوهم فأعلنوا ليس بأفواههم فحسب بل بأفعالهم مطاردة الإسلام وأهله في كل صقع من الأرض لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وليعلم هؤلاء المفكرون أنه لن يوقف هذا الطغيان وهذا الجبروت إلا بإعلان الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، نسأل الله أن يعجل بالفرج للمسلمين من ظلم الظالمين وبغي الطغاة الملحدين.
الثالث عشر:
وفي هذا الحوار ما يؤسف له من تنازل لأهواء هؤلاء الظلمة وترقيق الخطاب معهم وذلك بوصفهم بالمسيحيين مما يوافق أهواءهم بل يعتزون به ويفخرون حيث نسبوا أنفسهم إلى المسيح عليه السلام والمسيح منهم بريء، ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة بتسميتهم بهذا الاسم بل سماهم الله تعالى نصارى كما ورد ذلك في جميع الآيات التي يذكرون فيها، وكل حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم بالنصارى، فعجبًا كيف نعيش مع الثقافات الغربية راغبين بها عن منهج الكتاب والسنة! ولاشك أن ذلك يدل على التقريب بين الإسلام والنصرانية ولو بالألفاظ نسأل الله العافية.
الرابع عشر:
وأخيرا أختم كلامي هذا بأمور لابد منها وهي كما يلي:
1 -بتر الآيات والاكتفاء بما يوافق الحوار منها ولو أدى ذلك إلى اختلال في معنى الآية.
2 -تفسير بعض الآيات بما يوافق الأهواء مخالفين بذلك أقوال المفسرين الراسخين في العلم فتأمل ذلك تجد العجاب.
3 -ضعف الأدلة الشرعية حيث اعتمدوا في حوارهم هذا على تنميق الأسلوب وجمع الكلمات.