الرؤوس، ويقبل ويدعو. وهكذا انتصر المسلمون في"تبوك"على شهواتهم وأنفسهم، وبالتالي انتصروا على أعدائهم، وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .
هذه غزوة"تبوك"قائدها محمد - صلى الله عليه وسلم-، جنودها صحابته -رضوان الله عليهم-، عز فيها المؤمنون، و سقط المنافقون، و ذل الكافرون و انهزموا، و بالجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله يُنصَر المؤمنون، و المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون، لا خوف يُرهبهم، و لا هم في الحوادث يحزنون.
اللهم أنت الناصر لدينك، و المعز لأوليائك؛ افتح لنا فتحًا مبينًا، انصرنا نصرًا عزيزًا، و اجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا، اللهم ثبِّت أقدامنا، وزلزل أعداءنا، اللهم أدخل الرعب في قلوبهم، واستأصل شأفتهم، و اقطع دابرهم، وأَبِدْ خضراءهم، و اجعل تدبيرهم تدميرهم، و أورثنا أرضهم، و ديارهم و أموالهم، و كن لنا وليًا، و بنا حفيًّا. يا من نصرت بماض ضعف أمتنا على الطواغيت عجل نصرنا الثاني. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، و أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا-.
أما بعد، عباد الله: ها قد عشتم بعد أحداث غزوة تبوك التي انتهت كما عرفتم بنصر المؤمنين، ولئن انتهت، فما انتهى نورها، و ما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حديث منها قصة، و في كل قصة عظة وعبرة، و في كل ذكرى منها موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع.
هل يكفي سرد أحاديث الماضي، والتغني بالذكر الغابر؟ هل يجزي هذا، و قد تشابكت بأمة الإسلام -في هذه الأعصار- حلقات من المحن، و تقاذفتها أمواج من الفتن، وصيح بهم من كل جانب، و تداعى عليهم الأكلة من كل فج. لابد أن نستفيد مما مضى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُّفْتَرَى فهاكم بعض دروسها وعبرها، علَّ الله أن يجعلنا و إياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
و أول هذه الدروس: أن هذه الأمة أمة جهاد، و مجاهدة، و صبر، ومصابرة، و متى ما تركت الجهاد، ضُربت عليها الذلة والمسكنة.