الصفحة 8 من 84

ولد محمد عبد الكريم الخطابي سنة (1882م) بقرية أجدير الواقعة في (بني ورياغل) إحدى قبائل الريف الشهيرة بشمال المغرب. كان أبوه من الرؤساء المرموقين في الريف، فرباه تربية إسلامية. و بعد أن حفظ القرآن الكريم تلقى مبادئ الدين و اللغة العربية في قريته؛ أرسله والده إلى مدينة فاس حيث التحق بجامعة القرويين بقصد تعميق المعارف التي تلقاها في قبيلته، وبعد ثلاث سنوات رجع إلى مسقط رأسه وقد تسلح بالفكر السلفي، وتبحر في العلوم الفقهية و اللغوية. بعد ذلك التحق بمدينة مليلية ليشتغل بالتدريس أولًا، ثم بالقضاء الشرعي.

مكنته إقامته بمليلية من التعرف على خبايا السياسة الأسبانية، ومن خلال احتكاكه بالموظفين الأسبان استطاع أن يسبر غور النوايا الاستعمارية تجاه منطقة الريف، فلم يكن ينظر بعين الارتياح إلى مطامع الأسبان الرامية إلى احتلال جزء من بلاده، ولم تخنه الشجاعة يومًا في مواجهة رجال السلطة الأسبانية. بموقفه ضد أي احتلال عسكري أو سياسي لبلاده.

وفي سنة 1915م أدت به جرأته وشجاعته إلى المثول أمام المحكمة العسكرية بتهمة التعاطف مع الدولة العثمانية ضد الحلفاء، و سجن في مدينة مليلية.

لم تمض مدة طويلة على إطلاق سراحه ورجوعه إلى قبيلته (أجدير) حين توفي والده في (سبتمبر 1920م) ، وظل هو وأخوه محمد و عمهما عبد السلام يكونون الثلاثي الذي تكفل بمهمة جمع شمل العشائر، ووضع حد للضغائن الدموية التي كانت تفرق بينهم، و توحيد كلمة رؤساء القبائل، وتنظيم الفلاحين؛ لمواجهة الغزو الأسباني. ولم يكن مؤتمر رؤساء القبائل في مكان يدعى (القامت) بتمسمان (إقليم الناظور حاليًا) سوى تتويجًا لمجهودات مضنية استغرقت شهورًا كاملة، و تعاهد الجميع على تنظيم المقاومة واعترفوا بالقيادة الفعلية لمحمد عبد الكريم الخطابي.

الاحتلال الأسباني و المقاومة الريفية:

حظيت الحروب الريفية التي ترأسها محمد عبدالكريم الخطابي من (أول يوليو 1920م إلى 27 ماي 1926م) باهتمام المؤرخين المغاربة و الأجانب؛ لأنه لم يسبق لأي مستعمر في أي زمان و مكان أن ذاق هزيمة تماثل هزيمة الجيش الأسباني على يد المغاربة في معركة أنوال الخالدة، كما أنه لم يسجل تاريخ أية مقاومة مسلحة في أي بلد ولا في أي وقت من الأوقات انتصارًا باهرًا يماثل الانتصار الذي أحرزه المجاهدون ضد دولة استعمارية هي دولة أسبانيا في معركة أنوال الفاصلة، وهو ما أدهش العالم كله؛ لأن الانتصار كان على يد جماعة من المغاربة لا يفوق عددهم ألف رجل أمام جيش لم يقل عددهم عن ثلاثين ألف جندي، زيادة على الأمكانات المادية المتوفرة لهذا الجيش،"والربائد الأسبانية تزخر بمئات الوثائق السرية التي تشهد بالأعمال البطولية الخالدة التي قام بها المغاربة في هذه الملحمة العظيمة دفاعًا عن دينهم ووطنهم" [1] .

كان الأسبان يقدرون جسامة المهمة التي يقدمون عليها، و لهذا ظلوا مدة طويلة يبذلون جهودًا سياسية وعسكرية باهظة الثمن في الأموال والرجال؛ لبسط نفوذهم على المناطق الممنوحة لهم بمقتضى اتفاقية فرنسا، فيما بين سنة (1912م وحتى 1921م) وهو موعد انطلاق الثورة التي قادها محمد عبد الكريم الخطابي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت