كان الأسبان يتقدمون ببطء وحذر وبصعوبة شديدة بسبب المقاومة الشعبية القوية التي كانوا يلقونها، وخصوصًا أنهم كانوا يقدرون الصعاب التي هم مقدمون عليها، نظرًا لخبرتهم بالمنطقة منذ حرب الريف الأولى التي قادها محمد أفريان سنة 1909م والتي ذاقوا فيها الأمرين.
و استطاعوا في سنة (1921م) أن يجمعوا حوالي (25700) رجل منهم، وحوالي (5100) من المجندين الأهالي، في مواقع منتشرة بين قبائل (الدريوش) ، و (بويميان) ، و (أنوال) .
ولم يتمكن قائد القوات المتقدمة الجنرال (سيلفستري) من فهم حركة محمد عبد الكريم الخطابي ببعدها الديني وزعامتها الناضجة، وطاقتها النضالية، و أعتقد أن تحطيم تلك الحركة في متناول يده. وقد تميز هذا الجنرال بقوة الشخصية العنيدة، وشدة الشكيمة، فنظر إلى الريف نظرة كلها تطلع إلى فرض سيطرته المطلقة عليها، سالكًا سياسة جائرة حياله، متخذًا إجراءات رادعة ضده، فكان يتحين بدوره الفرصة للمسيرة نحو الساحل الريفي الأوسط، متعطشًا للحروب الاستعمارية بعد هزائمه في (كوبا) سنة (1898م) .
وفي (31 من شهر ماي 1921م) اتخذ الجنرال سيلفستري الترتيبات اللازمة استعدادًا للزحف نحو مركز (ظهر أبران) بقبيلة (تمسمان) وفي يونيو عند الساعة الثانية صباحًا خرجت من أنوال القوات الأسبانية متوجهة نحو المركز ليكونوا قريبين من مركز المجاهدين (بالقامت) بينما ظل الجنرال سيلفستري بأنوال.
وتمت عملية الاحتلال دون أن يتعرضوا لأي هجوم من طرف المجاهدين وتم تحصينه، و رجع الجيش الأسباني إلى أنوال بعد أن أبقى في المركز المذكور حامية تتكون من ثلاثمئة جندي يترأسهم قبطان، وما أن وصلت القوات الأسبانية إلى منتصف الطريق بين (ظهر أبران) و (أنوال) حتى وجدت أمامها الحركة مستعدة للوقوف في وجهها للحيلولة دون السماح لها بالعودة إلى المركز الرئيسي، فجرت معركة لم تسفر عن أية نتيجة، وعندئذ توجه المجاهدون بهجومهم نحو مركز (ظهر أبران) فاقتحموه وقتلوا جميع من كان به من ضباط و جنود إلا عددًا قليلًا استطاع الهروب، و استولى المجاهدون على العتاد الحربي بأكمله، وتشهد الوثائق الأسبانية"أن الهجوم الذي قام به المجاهدون ضد المركز المذكور قاده الزعيم الخطابي بنفسه، وشعر سيلفستري لأول مرة بالهزيمة في المغرب" [2] .
لقد كان استرجاع مركز (ظهر أبران) من يد الجيش الأسباني هو الانتصار الأول الذي أحرزه الخطابي في تحديه للجنرال سيلفستري. وفي خضم الحماس الجماهيري الناتج عن نشوة الانتصار، انضمت قبائل جديدة إلى صفوف المقاومة. ونقل الزعيم الخطابي مركزه الحربي إلى قاعدة قريبة من أنوال.
أنوال .. المعركة الفاصلة:
كان أول عمل قام به سيلفستري بعد سقوط (ظهر أبران) هو تعزيز المراكز الأمامية بوحدات عسكرية إضافية تفوق حاجيات كل مركز مما نتج عنه مشاكل كثيرة أهمها: مشكلة الإيواء، ونظرًا لصعوبة تنقل القوافل من مركز إلى مركز، أمرت الحكومة الأسبانية الجنرال سيلفستري بأن يقوم باحتلال أكبر عدد ممكن من المراكز الثانوية حتى يتمكن من القضاء على المشاكل، ولكن بدون جدوى.
استمرت المناوشات الحربية بين الأسبان و المجاهدين في مناطق مختلفة من الريف كانت أهمها معركة