الصفحة 76 من 84

خَوَّان. ويتوجَّه- صلى الله عليه وسلم- و يمر بديار"ثَمُود"، و ما أدراكم ما تلك الديار؟ ديار غضب الله على أهلها، فتلك بيوتهم خاوية، و آبارهم معطَّلة، و أشجارهم مقطَّعة، فيدخلها و قد غطَّى وجهه، و هو يبكي، و يقول لجيشه: (لا تدخلوها إلا باكين أو مُتباكين لئلا يصيبكم ما أصابهم) .

يا لله ‍!! هذه أرض سكنها الظَلَمَة، فقولوا لي -بالله فيمن يجالس الظَلَمَة، و يؤيد الظَلَمَة، و يركَن إلى الظَلَمَة، و يكون لهم أنيسًا و لسانًا و صاحبًا-: كيف يكون حاله؟ ألا يخاف أن يغضب الله عليه؛ فيأخذه أخذ عزيز مقتدر؟ وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ، و يستسقي الناس من بئر في ديار ثَمُود، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: (لا تشربوا من مائها، و لا تتوضئوا منه للصلاة، وما عَجَنتم من عجين بمائها فاعْلِفوه الإبل، و لا تأكلوا منه شيئًا) ، ففعلوا امتثالا لأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.

و مع الغروب يُعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها سوف تَهُبُّ رياح شديدة، فلا يخرج أحد من مُخَيَّمِه إلا مع صاحب له، حتى تهدأ الريح، و خالف أمره رَجُلان من المسلمين، لضَعف في إيمانهم، خرج أحدهم ليقضي حاجته فخَنَقَتْه الجِنُّ عند حاجته، وخرج الآخر في طلب بَعِير له، فاحْتَمَلته الريح حتى طرحته في جبال طَيء، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للذي أُصيب بخَنْق الجِنِّ، فَشُفِي، فكانت هذه آية من آيات نبوَّته- صلى الله عليه وسلم- وأمَّا الآخر، فسُلِّم للنبي- صلى الله عليه وسلم- عند عودته إلى المدينة.

لازال - صلى الله عليه وسلم- في طريقه إلى"تَبُوك"، قد بلغ به الجوع والتعب والإرهاق مبلغًا عظيمًا، لكن في سبيل الله يهون، و مع السَّحَرِ ينام من التعب- صلى الله عليه وسلم- على دابَّتِه حتى يكاد يسقط- كما في صحيح مسلم- فيقترب منه أبو قتادة، فيَدْعَمَه بيده حتى يعتدل، ثم يميل مَيلةً أخرى، فيدعمه أبو قتادة حتى يعتدل، ثم يميل مَيلة أشَدَّ من المَيلتين الأُولَيين، حتى كاد يسقط، فيدعمه بيده، فيرفع رأسه- صلى الله عليه وسلم- و يقول: من هذا؟ قال: أنا أبو قتادة، فيُكَافِئَه- صلى الله عليه وسلم، فبمَّ كافأه؟ قال: (حفظك الله بما حفظت نبي الله يا أبا قتادة) ، يقول أهل العلم: فوالله مازال أبو قتادة محفوظًا بحفظ الله في أهله و ذريته ما أصابهم سوء حتى ماتوا، وهذا درس عظيم، فإن من حفظ الله حفظه الله فلا خوف عليه، إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

وينزل -صلى الله عليه وسلم- و المؤمنون منزلا، يقول عمر: في ذلك المنزل و قد أصابنا عطش عظيم حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر قرته فيشربه، وتضل راحلة النبي- صلى الله عليه وسلم- و يخرج أصحابه يبحثون عنها، فيقوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت