الصفحة 61 من 84

إلا قليلا حتى أخذت الجموع تهرب والصفوف تتصدع أمام هجمات أهل الإيمان.

وهنا نسجل صورة من صور الفتيان الأبطال من المسلمين في قتال أئمة الكفر فبينما كان عبد الرحمن بن عوف بين غلامين صغيرين إذ قال له أحدهما سرًا: يا عم أرني أبا جهل، فقال له: يا أبن أخي وما تصنع به؟، قال: أُخبرت أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فوالذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سوداه حتى يموت الأعجل منا، فتعجب عبد الرحمن بن عوف لذلك، فغمزه الثاني قائلا له مثل ما قال الأول، قال عبد الرحمن رضي الله عنه: فلم أنشب أن نظرت فإذا أبو جهل يجول بين الناس فأشرت إليهما وقلت لهما هذا صاحبكما، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى أثخناه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرانه الخبر، واحتزّ ابن مسعود رأس طاغية قريش وأتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (هذا فرعون هذه الأمة) .

وصور أخرى من صور الولاء والبراء تتمثل في موقف مصعب بن عمير بعد انتهاء المعركة من أخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين ثم وقع في الأسر، مر به وأحد الأنصار يشد يده، فقال مصعب للأنصاري: شد يدك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال له أخوه: أهذه وصاتك بي؟، فقال مصعب: إنه أخي دونك.

وهكذا انتهت المعركة الفاصلة بنصر مبين للمسلمين، وهزيمة ساحقة للمشركين كما لحقتهم خسائر فادحة حيث قتل منهم سبعون وأسر سبعون أكثرهم من القادة والصناديد.

وأما المسلمون فقد استشهد منهم أربعة عشر رجلًا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وقد تجلت نعمة الله على المسلمين في هذه الغزوة بالنصر والتمكين بعد الضعف، وبالأمن والطمأنينة بعد الخوف، وذلك فيما حكاه القرآن حيث قال تعالى {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [سورة الأنفال:26] .

ثانيًا: بعض الدروس والعبر المستفادة من غزوة بدر:

هذه بعض الدروس والعبر المستفادة من غزوة بدر الكبرى على وجه الانتقاء لا الحصر، وعلى وجه الاختصار لا الإسهاب ومنها:

1)جواز الخروج بقصد أخذ أموال الكفار، إذ إن أموالهم ودماءهم مباحة للمسلمين.

قال القرطبي رحمه الله: (ودل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال) . اهـ [3]

2)أن الكفار ما يدفعهم إلى قتال المسلمين إلا حب الإفساد في الأرض، والكبر وإرادة استئصال أهل الإسلام حتى لا يبقى في الأرض من يقول"لا إله إلا الله"، وقد أخبرنا الله تعالى أن الكفار قد انبعثت همتهم لقتالنا حتى يردونا عن ديننا ولن يرضوا بأقل من ذلك قال تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [سورة البقرة:217] ، فالحرب قائمة بين أهل الإيمان والكفر لا محالة، ولو أراد المسلمون إيقافها فليس هناك ثمن يعطونه لذلك إلا دينهم، كما قال تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [سورة البقرة:120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت