الصفحة 60 من 84

وقضى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليلتهم في هدوء وسكينة، ولما انبلج الفجر وظهر ضوء النهار نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعدائه وقال: (اللهم إن هذه قريشا قد أقبلت بخيلائها وفخرها تُحادك وتُكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة) ، ثم عدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف وأمر جنده أن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأمر بذلك.

أما المشركون فقد استفتح لهم طاغوتهم قائلا: (اللهم أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم) ، وفي ذلك يقول الله تعالى {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [سورة الأنفال:19] .

وكان من أوائل ما أشعل نار المعركة أن خرج ثلاثة من فرسان قريش وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة طالبين للمبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟، قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: أكفاء كرام ما لنا بكم حاجة إنما نريد بني عمنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علىّ) ، فلما دنوا منهم وعرفوهم فقالوا: إياكم نريد، فبارز عبيدة وكان أكبر القوم عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد، فأما حمزة وعليّ فلم يمهل كل منهما قرينه حتى أجهز عليه، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرينه ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم كرّ علىّ وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل كذلك حتى مات في طريق العودة إلى المدينة، وكان علي رضي الله عنه يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [سورة الحج:19] .

وحمي وطيس المعركة وسط مناشدة النبي صلى الله عليه وسلم لربه واستدارت رحى الحرب والنبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه قائلا: {اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم]، وأوحى الله إلى ملائكته أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين]، ثم أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع أي الغبار آخذ بعنان فرسه يقوده]، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عريشه وهو يَثِبُ في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر} ، وأخذ حفنة من التراب ورماها في وجوه المشركين، فما منهم من أحد إلا وأصابه منها شيء، وفي ذلك أنزل الله تعالى قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على القتال قائلا: (والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (قوموا لجنة عرضها السماوات والأرض) ، وحينئذ قال عمير بن الحمام: بخ بخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) ، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت من أهلها) ، وأخذ عمير تمرات كن في قرنه فألقى بها قائلا: لئن عشت حتى آكل تمراتي هذه إنها إذًا لحياة طويلة، ثم قاتلهم حتى قتل رضي الله عنه.

وسأل عوف بن الحارث نبي الله صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟، قال: (غمسه يده في العدو حاسرا) ، فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي الله عنه.

وبدأت أمارات الفشل والاضطراب تظهر في صفوف المشركين بعدما نزلت الملائكة تقاتل مع المؤمنين وانسحب إبليس نصير المشركين بعد ما وعدهم بإعانتهم ثم خذلهم وقد جاء في صورة سراقة بن مالك المدلجي من المعركة، وأخذت جموع المشركين في الفرار من وجه جند الله المؤمنين، غير أن طاغوت المشركين أبا جهل أظهر تجلدا أمام قومه داعيًا إياهم إلى الصمود والتصدي لهجمات المؤمنين، وما لبث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت