له بخير، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يقول أشيروا علي أيها الناس.
وهنا تجلت أعظم صور الحب لدين الله وللنبي صلى الله عليه وسلم والتضحية والفداء فقام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال بثبات المؤمن الصادق متحدثا بلسان قومه، كلمات لم يعرف التاريخ لها مثيلا:"يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيا لو سرت إلى برك الغماد لسرنا معك"، وهنا تهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له ولقومه بالخير.
وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكرر على الناس قوله: (أشيروا علي أيها الناس) ، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان حامل لواء الأنصار وزعيمهم، فقال بلسان الواثق بوعد الله تعالى، الواثق من موقف قومه أهل الصدق والبطولة والفداء: (لعلك تريدنا يا رسول الله [2] ، قال: أجل، فقال سعد رضي الله عنه: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالله لا يتخلف عنك اليوم منا رجل واحد، ولو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله) ، فسُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد فقال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم].
ولقد جعل الله تعالى لنصر المؤمنين في هذه المعركة علامات ثبت بها قلوب أوليائه، وزلزل بها قلوب أعدائه، فأنزل الله تعالى عليهم النعاس أمنةً منه، كما أنزل المطر فكان على المؤمنين طلاّ خفيفًا، طهرهم به وثبت قلوبهم وأرجلهم، وثبت به الأرض من تحت أقدامهم، وأذهب عنهم به رجز الشيطان، وكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم والعمل، وكانت هذه أول أمارات وإرهاصات سير المعركة ونتيجتها، قال تعالى {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [سورة الأنفال:11] .
وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيش الإيمان.
وهنا يروي أهل السّير أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل أدنى ماء من مياه بدر، فأشار عليه الحباب بن المنذر رضي الله عنه كخبير بالمواقع العسكرية بعد أن عرف أن نزول هذا المنزل ليس عن وحي ولكنه اجتهاد من القائد الأعلى، فقال الحباب: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم يعني قريشا فننزله ونغور نخرب ما وراءه من القُلُب ثم نبني حوضا نملأه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي.
واقترح سعد بن معاذ في هذه الغزوة المباركة أن يبنى للنبي صلى الله عليه وسلم عريشا يقود منه المعركة ويصدر منه الأوامر ويشرف منه على مكان المعركة فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير وتم بناء العريش للنبي صلى الله عليه وسلم وانتخبت فرقة من شباب الأنصار لحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقضى النبي صلى الله عليه وسلم ليله كله في ذكر لله تعالى وتسبيح ودعاء، أن ينزّل نصره على هذه العصابة الضعيفة التي تدافع عن دينه وحرماته، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويتضرع إليه حتى سقط الرداء عن منكبه، فقال له الصديق أبو بكر رضي الله عنه: (هون عليه يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك لقد وعدك الله إحدى الطائفتينِ) .