فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 115

أو تحبط دعوتهم وتقوّض برامجهم التي تعقد عليها الآمال ويزج بالدعاة في السجون لأجل بعض أعمال الحسبة التي لن تؤتي ثمارها الحقيقية إلا في ظل التمكين وسلطان المسلمين ..

ولذلك يجب على الداعية العاقل الناضج أن يكون فطنًا حازمًا فلا يسمح لهؤلاء الفصاميين أو غيرهم أن يحرفوه عن برنامجه المتئد أو يعطلوا له دعوته بالتورط معهم في بعض هذه الأعمال المرجوحة، أو يخرجوه عن نهج دعوته وخطها المحكم النظيف الطموح ما دام مقتنعًا برجاحة هذا الخط وثمراته، عارفًا بسطحية هؤلاء الفصاميين متبصرًا بآثار فصامهم النكد ..

ختامًا .. لم أكن مضطرًا لكتابة هذا، خصوصًا وأنا أخشى أن يساء فهمه، وهناك ما هو أولى منه، لولا هذا الفصام والخصام النكد الذي ابتدعه بعض الشباب فقلبوا به لدعوة التوحيد ظهر المجن، مما دفعني للتصدي لهذا الفصام واستئصاله .. وإلا فكل من يقرأ ما أكتبه يعرف وقوفي بفضل الله دومًا في عدوة المجاهدين في كل مكان، ودفاعي عن جهادهم المبارك بكافة صوره المشروعة، وحرصي على توجيه هذا الجهاد إلى أحسن وأكمل الثمرات ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وتنقيته من الشوائب والأخطاء والانحرافات، وهذا الذي كتبته هنا لا يخرج إن شاء الله عن هذه الغايات .. وقد قال الله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) .. فتأمل كيف سمّى الله التفقه للدعوة والإنذار نفيرًا في السورة ذاتها التي دعا فيها إلى النفير العام (انفروا خفافًا وثقالًا) ..

وبيّن سبحانه في هذه الآية أن الواجب على المؤمنين أن يكمل بعضهم بعضًا؛ فطائفة تنفر للقتال وطائفة تنفر للتفقه والدعوة والإنذار، وكلا الطائفتين معًا تمثلان الجهاد بصورته المتكاملة ولا يعيب هؤلاء على هؤلاء أو يخاصموهم أو يفاصموا جهودهم ... حتى روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذه الآية نسخت عموم قوله تعالى (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا) . وقوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ... الآية) .

ومعلوم أن بعض السلف ومنهم ابن عباس كانوا يطلقون النسخ ويريدون به التخصيص، فلا حاجة للقول بالنسخ بصورته الأصولية بمعنى إلغاء الحكم، بل جميع الآيات محكمة يكمل بعضها بعضًا، فالأمر بالنفير العام وعدم التخلف عن نصرة الدين إذا أخذ بصورته المتكاملة يجمع بين الآيات ويُعملها كلها، وإعمال النصوص جميعها أولى من تعطيل بعضها، وهذا ما أوضحته الآية ونبهت عليه حين بينت أن النفير العام المطلوب من المؤمنين أعم وأشمل من مجرد القتال، ولذلك سمى الله فيها التفقه في الدين للدعوة والإنذار نفيرًا تمامًا كما سمى القتال نفيرًا ... فالمطلوب من المؤمنين الجمع بين النفيرين ..

فلا يصح أبدًا أن نوقع الخصومة والفصام بين الدعوة والجهاد بل هذه تكمل هذا، والأصل أن أهل الدعوة على ثغر من ثغور الدين وأهل الجهاد على ثغر، وكل يجب عليه حفظ ثغره أن يؤتى الدين منه، وكل يكمل الآخر ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وإلى هذا أرشدنا ربنا في كتابه فقال: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) .

وفي الأثر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه خرج على بعض أصحابه حاملا السيف في يد والمصحف في يده الأخرى وقال: (أمرنا أن نضرب بهذا من خرج عن هذا) .

فهذا يكمل هذا، ولا ينفصل عنه، ولم يكن سلفنا لسعة علمهم وعمق فهمهم يوقعون الخصومة بين السيف والكتاب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت