فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 115

يقولون , ولهم في ذلك قدوة وأسوة بمن سبقوهم كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النابلسي الذي سُلخ جلده ليبدل فتواه في قتال العبيديين المرتدين فلم يفعل حتى قُتل رحمه الله وأمثالهم ممن رفع الله ذكرهم بثباتهم على الحق ..

ولا يغفلوا عن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) وليتذكروا دومًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا له بعض أصحابه أذى المشركين في مكة فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها , ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين , ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه , ما يصده ذلك عن دينه ... الحديث) رواه البخاري.

ومع هذا فلا بد من اعتبار ما قدمناه حتى لا يبادر المرء بالطعن في إخوانه المبتلين أو التضرر بتصريحاتهم وفتاواهم التي تصدر من وراء القضبان , بل يتأملها فإن كانت على ما كانوا عليه من الحق من قبل فبها ونعمت وإن تغيّرت إلى الإفراط أو التفريط لم يبادر إلى الثلب والطعن على قائلها حتى يعرف ظروف قوله لها، وليتريّث حتى يفرج الله عنه , فإن أصر في السعة على ما قاله في القيد فلكل حادث حديث .. وإلا فقد كفى الله المؤمنين القتال وحفظنا أخانا في غيبته، فالأصل إحسان الظن بالمسلمين فضلًا عن أنصار الدين ..

وأخيرًا فقد قال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين) فهذه قاعدة من قواعد أهل الإسلام أن الله كتب على نبيه صلى الله عليه وسلم الموت (إنك ميت وإنهم ميتون) ولم يُعلّق دينهم بحياته ووجود شخصه بينهم , وإنما علّق قلوبهم به سبحانه الحي الذي لا يموت وبدينه وكتابه الذي لا يغسله الماء , ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمن تعلق به فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها , وإذا كان ذلك كذلك بالنسبة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق وأحبهم إلى المسلمين , فغيره من البشر الذين قد تطرؤ عليهم إضافة إلى طوارئ الموت أو القتل؛ طوارئ الردة والتغيير والتبديل من باب أولى أن لا يعلق المسلم دينه بأشخاصهم , والأصل فينا أهل الإسلام عمومًا ودعاة التوحيد وأهل الجهاد على وجه الخصوص عدم التقليد , وعدم قبول قول القائل إلا بدليل شرعي ..

قال تعالى لنبيه: (قل إنما أنذركم بالوحي) .

وقال سبحانه: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) .

ودين الله غني عن العالمين: (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن الله لغني حميد) ..

ولو شاء الله لانتصر من أعدائه بغير أنصار ورجال، ولكن ليبلو بعض الناس ببعض ويتخذ من المؤمنين شهداء ..

وهذه الهزّات يتميّز بها أهل الثبات عن أهل الذبذبة والإرجاف .. الظانين بالله ظن السوء الذين لا يزيدون الصف إلا خبالًا , فمن كان ينتظر مثل هذه الهنّات ليعلّل بها تخاذله ومفارقته للقافلة وتركه الصف , فأبعده الله وسيزداد الصف ببعده تماسكًا ورصًّا وثباتًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت