فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 401

أي لابد أن يكون هدفه الأول هو إعلاء كلمة الله، قال ربنا {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]

فمن حقق الإخلاص لله فقد اعتصم من الشيطان.

اعلم أن الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جليٌّ وبعضها خفيٌّ وبعضها ضعيفٌ مع الجلاء وبعضها قويٌّ مع الخفاء ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال، وأظهر مشوشات الإخلاص الرياء فلنذكر منه مثالًا

فنقول: الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصًا في صلاته ثم نظر إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له حسِّن صلاتك حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار والصلاح ولا يزدريك ولا يغتابك، فتخشع جوارحه وتسكن أطرافه وتحسن صلاته، وهذا هو الرياء الظاهر ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين.

الدرجة الثانية -يكون المريد قد فهم هذه الآفة وأخذ منها حذره فصار لا يطيع الشيطان فيها ولا يلتفت إليه ويستمر في صلاته كما كان، فيأتيه في معرض الخير ويقول: أنت متبوعٌ ومقتدَى بك ومنظورٌ إليك وما تفعله يؤثَر عنك ويتأسَّى بك غيرك، فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنتَ وعليك الوزر إن أسأت، فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة، وهذا أغمض من الأول وقد ينخدِعُ به من لا ينخدع بالأول وهو أيضًا عينُ الرياء ومبطل للإخلاص، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرًا لا يرضى لغيره تركه فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة، ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعزَّ عليه من نفسه فهذا محض التلبيس، بل المقتدي به هو الذي استقام في نفسه واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره فيكون له ثواب عليه، فأما هذا فمحض النفاق والتلبيس فمن اقتدى به أثيب عليه، وأما هو فيطالب بتلبيسه ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفًا به.

الدرجة الثالثة -وهي أدق مما قبلها أن يجربَ العبد نفسه في ذلك ويتنبه لكيد الشيطان، ويعلم أن مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء، ويعلم أن الإخلاص في أن تكون صلاتُه في الخلوة مثل صلاته في الملأ ويستحيي من نفسه ومن ربه أن يتخشع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت