بَيْنَهُمْ، وَأَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الشَّرَّ وَالمُخَاصَمَةَ، وَالعَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ، فَهُوَ عَدٌّو لِذُرِّيَّةِ آدَمَ، ظَاهِرُ العَدَاوَةِ سَافِرُهَا. [1]
وهذا أمر تساهل فيه بعض الناس، فتراهم يقولون الكلام الموهم الذي يحتمل وجوهًا عدة بعضها سيِّء، وقد يرمي أحدهم أخاه بألفاظ يكرهها، ويناديه بألقاب يمقتها، فيكون ذلك مدخلًا للشيطان، فيفرق بينهما، ويحل العداء محل الوفاق والألفة. [2]
في ختام هذا الفصل أحب أن أثبت مبحثًا مهمًا من كلام ابن القيم صوّر فيه - رحمه الله - حقيقة الصراع وطبيعته، يقول ابن القيم ما ملخصه:"إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البرية، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة والحياء والتعظيم والمراقبة، وجعل ثوابه إذا قدم عليه أكمل الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه ومجاورته في جنته، وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه" [3] .
ثم يقول ابن القيم ما نصه:"فهو (أي الشيطان) يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه؛ لأنه يدخل عليها بما تحب، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد: ثلاثة مسلَّطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلة منقادة، فلا يمكنها إلا الانبعاث، فهذا شأن هذه الثلاثة، وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا."
هذا مقتضى حال العبد، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر، وأمدّه بمدد آخر، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمر، أمره الملك بأمر ربّه، وبين له ما في
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2083، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - انظر كتاب عالم الجن والشياطين: أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان
(3) - الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 17)