لمشاهدة خلقه تخشعًا زائدًا على عادته، فيقبل على نفسه في الخلوة ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ ويصلي في الملأ أيضًا كذلك.
فهذا أيضًا من الرياء الغامض لأنه حسَّن صلاته في الخلوة لتحسن في الملأ، فلا يكون قد فرَّق بينهما فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق.
بلِ الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدةٍ، فكأن نفسَ هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس، ثم يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلا والملا وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في الخلا والملأ جميعًا، وهذا من شخص مشغول الهمِّ بالخلق في الملأ والخلا جميعًا وهذا من المكايد الخفية للشيطان.
الدرجة الرابعة- وهي أدقُّ وأخفى أن ينظر إليه الناسُ وهو في صلاته فيعجزَ الشيطان عن أن يقول له اخشع لأجلهم، فإنه قد عرف أنه قد تفطن لذلك فيقول له الشيطان: تفكرْ في عظمة الله تعالى وجلاله، ومَن أنت واقفٌ بين يديه، واستحي من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه، ويظن أن ذلك عينُ الإخلاص وهو عين المكر والخداع، فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة، ولكان لا يختصُّ حضورها بحالة حضور غيره، وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطرُ مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ، ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر كما لا يكون حضور البهيمة سببًا، فما دام يفرِّق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنَّس الباطن بالشرك الخفي من الرياء، وهذا الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فعن مَعْقِلَ بْنِ يَسَارٍ قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى