فمن الناس من يتعلَّم ليصرف إليه وجوه الناس أو ليقال: عالم أو يشار إليه بالبنان، ومنهم من يتكلم بالوعظ ليتلذذ بالكلام، ومنهم من يتصدق على سائل ليتخلص من ذمه، ومنهم من يعود مريضا ليعاد إذا مرض ويشيع جنازة لتشيع جنازته أو جنازة أحد أقاربه، وكلُّ هذه الأعمال تشوبها الحظوظ النفسية ولكن على المسلم أن يخلص العلم لله، ولتعلمْ إن الإخلاص لا يأتى الا بالمجاهدة، فالمسلمُ دائم المراقبة لله عزوجل يجاهد نفسه لكي يخلص عمله، ولكن لا يكون هذا سببًا في ترك العمل فإن ذلك هدف الشيطان.
يقول واحد: أنا لا أخطب ولا أعظ خوفا من الرياء، وهذا يقول: لاأؤلف خوفا من الرياء، والآخر يقول: لا أتصدق خوفا من الرياء، وهكذا تتعطل الطاعات ويبتعد الناس عنها ويذهبون إلى المعاصي، وهذا ما يريده الشيطان ولكن يجب عليك تنقية العمل لا تركه، وعن إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ:"كَانَ يُقَالُ: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَإِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ"
وسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ خَالِصًا ولَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا وَالْخَالِصُ إِذَا كَانَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ إِذَا كَانَ عَلَى السُّنَّةِ""
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ هُوَ الرِّيَاءُ وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ هُوَ الشِّرْكُ»
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ وَقَى خَمْسًا فَقَدْ وُقِيَ شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ وَالْإِزْرَاءُ وَالشَّهْوَةُ» [1]
وعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [2]
(1) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/ 95)
(2) - صحيح البخاري (1/ 37) (123) وصحيح مسلم (3/ 1512) : 149 - (1904)
[ (غضبا) انتقاما حالة الغضب. (حمية) محاماة عن العشيرة. (كلمة الله) كلمة التوحيد ودعوة الإسلام. (العليا) العالية فوق كل ملة ومذهب]