الكمال لله وحده، ففطرة الإنسان مبنية على النّقصان، إن أصاب في معنى، أخطأ في معنى آخر، وإن كَمُلَ من جانب، نقص من جانب آخر، قال ابن السيد البطليوسيّ (ت521هـ) في الاعتذار عن الزّجاجيّ (ت337هـ) ، في كتابه الجمل: (( وليس اختلال بعض عباراته مما يخلّ بمحله في العلم، ومكانته في الفهم، فقد قال الحكماء: من ألف فقد استهدف، فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف. وباختلاف المختلفين ظهرت المعاني للناظرين ) ) [1] ، ولا يخلو أي كتاب ألّفه إنسان من أوهام أو أخطاء، وقديما قالوا: (( لو عُورِضَ كتابٌ سبعين مرّةً لوُجِد فيه خطأٌ، أبى الله أن يكون كتابٌ صحيحًا غير كتابه ) ) [2] .
وقد التمس ابن الخبّاز في خاتمة الكتاب العذر عما وقع من تقصير في الكتاب، إذ قال: (( ومن عثر لي في هذا الإملاء على عَثْرَة فليكن العاثر عاذرًا، غافرًا لزلها، وسادًّا لخللها، فإنّ السّعيد من عُدَّت سقطاته، وما أحسن ما أنشد أبو إسحاق الزّجاج في كتاب المعاني [3] :
أردتُ لكيمَا لا تَرَى لي عَثْرَةً ومن ذا الذي يُعْطَى الكمالَ فيكمُلُ
ويُمهِّد عذرِي في التّقصير أنِّي لما فتحت باب تأليفه فَجِئَني مرض، غشِيَنِي به من الغمّاء ما يَغْشَى الغريق من الماء، أشمت بي العِدَا، وكدت منه أُسلم النّفس إلى الرَّدى، فلمّا وطَّنْتُ النّفس على البأساءِ، وقلت لها: إنّ الجزع من شِيَمِ النّساء، وأنشدتها قول أبي تمّام [4] :
خُلِقْنَا رجالًا للتَّجَلُّدِ والأسَى وتِلكَ الغوانِي للبُكَا والمآتمِ
رميتُ الجزع بسهم الهَجْرِ، وأعرضتُ عنه رجاء الأجر ... )) [5] .
(1) الحلل في إصلاح الخلل: 58.
(2) رسالة الإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في الإيضاح (مقدّمة المحقق) : 5.
(3) البيت في معاني القرآن وإعرابه: 2/ 42 بلا عزو، وذكر الفرّاء أنّ أبا ثروان أنشد هذا البيت، ينظر: معاني القرآن: 1/ 262.
(4) ديوان أبي تمّام بشرح التّبريزيّ: 3/ 259.
(5) التّوجيه: 615 - 616.