ذكرنا في الفصل الثّالث موقف ابن الخبّاز من مسائل الخلاف النحويّ، بين البصريين والكوفيين، وعرضنا في هذا الفصل لمناقشته آراء العلماء، ولم يكن ابن الخبّاز مقلدًا، أو يقتصر على ترجيح الآراء واختيار الأقوى والأجود، بل كان له ... رأيه الخاص به، وهو ما عبّر عنه غالبًا بقوله (وعندي) ، ولا عجبَ في ذلك فقد ... حفظ عدّة من الكتب المجردة في النّحو والأدب واللّغة والأشعار العربية، منها (الإيضاح) لأبي عليّ الفارسيّ (ت377هـ) ، و (المفصّل) لأبي القاسم الزمخشريّ (ت538هـ) ، و (مجمل اللّغة) لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت395هـ) ، فضلًا عن ذلك فقد حفظ من أشعار العرب والجاهلية والإسلام والمولدين والمحدثين ما لا يحصى [1] . وهو ما بدا واضحًا في ترجيحه كثيرًا من الآراء في المسائل الخلافية معتمدًا على خزينه من الكلام العربيّ. وسأذكر هذه الآراء مرتبًا إياها بحسب تسلسل ورودها في (التّوجيه) :
1 -المبني للمجهول من الفعل اللازم:
لا يجوز أن يبنى الفعل اللازم للمجهول [2] ، وقد أجاز بعض النّحويين بناؤه على إضمار المصدر، أي في قولك: قامَ زيدٌ، وقعد عمر، تقول: قِيمَ، وقُعِدَ على إضمار المصدر [3] ، وقد نسبه الزّجاجيّ (ت337هـ) إلى سيبويه (ت180هـ) [4] .
ورأى الكسائيّ (ت189هـ) ، وهشام الضّرير (ت209هـ) ، أن في الفعل اللازم ضميرًا مجهولًا [5] ، وفسّر ثعلب (ت291هـ) المراد بالضمير المجهول، فقال: (( أراد أنّ الفاعل لما حُذِف أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه، مما هو سوى المفعول به. يعني المصدر أو الوقت أو المكان، فلم يعلم أيّها هو المقصود؛ لأنّه لم يظهر مع الفعل مرفوع به ) ) [6] .
(1) ينظر: قلائد الجمان: 1/ 254.
(2) ينظر: شرح اللّمع للواسطيّ: 37، والتّوجيه: 130، والغرّة المخفيّة: 1/ 302، وشرح المفصّل: 7/ 325 - 326، والمغني في النّحو: 2/ 193، والارتشاف: 2/ 185.
(3) ينظر: الجمل: 77، والحلل في إصلاح الخلل: 208، والمغني في النّحو: 2/ 204، وشرح الكافية: 1/ 195، والهمع: 1/ 589.
(4) ينظر: الجمل: 77.
(5) ينظر: الحلل في إصلاح الخلل: 208، والارتشاف: 2/ 185، والهمع: 1/ 589.
(6) الحلل في إصلاح الخلل: 208.