أما ابن الخبّاز فقد تابع البصريين على مذهبهم، واتضّح هذا من خلال ردوده على الكوفيين برود أهل البصرة من قبل، وأيضًا من قوله: (( وهما ماضيان لأنّهما مبنيان على الفتح ) ) [1] .
والذي يترجّح عندي ما ذهب إليه البصريون وتابعهم فيه ابن الخبّاز؛ لأن تأويلهم لحجج الكوفيين مستساغ ومقبول؛ فحذف القول كثير في كلام العرب، ومنه ما جاء في القرآن، قال تعالى: {والَّذينَ اتَّخذُوا من دُونِهِ أولِيَاءَ ما نعبُدُهُمْ إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفْى} [2] ، أي: فيقولون ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زُلفى [3] .
فضلًا عن وجود شواهد أُخَر تعزّز ما ذهب إليه البصريون، ومنها قول ذي الرُّمة [4] :
أوحُرَّةٌ عَيْطلٌ ثَبْجاءُ مُجفَرَةٌ دعائم الزَّور نِعمَتُ زورَقُ البلدِ
وموطن الشاهد (نِعْمَت) فقد اتصلت به تاء التأنيث مما يدل على أنّه فعل.
إذًا يمكن القول: إنَّ ابن الخباز كان كثيرَ الميلِ إلى البصريينَ، آخذًا بأقوالهم، مؤيدًا لآرائهم، واقفًا إلى جانبهم؛ ويكفي دلالة على هذا أنّه لم يؤيد آراء الكوفيين في مسائل الخلاف في هذا الكتاب، وإذا تخطّينا كتاب التّوجيه إلى غيره من مؤلفاته الأخرى نرى أنّ موقفه لا يكاد يختلف [5] ، إلا أنّه يبدو أكثر وضوحًا في التّوجيه من غيره، وكان كثيرًا ما يفنِّد أراء الكوفيين ويصفها بالفساد، وهذا يؤكد تشدده في التمسك بالمذهب البصريّ.
وانتصار ابن الخبّاز للبصريين غالبًا ما كان يتخذ أمرين أو أحدهما:
الأوّل: التّصريح بهذا الانتصار.
(1) التّوجيه: 389.
(2) الزمر: 3.
(3) ينظر: الإنصاف: (م14) :96 - 97.
(4) ديوانه: 146.
(5) ينظر: ابن الخبّاز النّحوي (رسالة) : 133.