ولست أتفق مع ابن الخبّاز في ردّه على أبي تمّام للسببينِ الآتيينِ:
1.إنّ الزمخشريّ (ت538هـ) أجاز الاحتجاج بشعر أبي تمّام الطائيّ (ت231هـ) ، معللًا ذلك بأنه من علماء العربيّة، وما يقوله بمنزلة ما يرويه، والعلماء وثقوا بروايته وإتقانه [1] .
2.يدل على صحّة مذهب الكوفيين وما قاله أبو تمّام قوله تعالى: {فَقَالُوا هذا إلهُكُم وإلهُ مُوسَى فَنَسِىَ} [2] ، وما روى عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنّه قال: (( إنّما سَمِّي إنسانًا لأنَّهُ عُهِدَ إليه فَنسِيَ ) ) [3] ، فهذا يدل على أن الإنسان مشتقّ من النّسيان؛ لأنّه ينسى.
وانتصر ابن الخبّاز للبصريين، رادًا على الكوفيين مذهبهم، فقال: (( والمنصور قول البصريّين، والذي ذهب إليه الكوفيون يفسد من ثلاثة أوجه:
الوجه الأوّل: أنَّ اشتقاقه من الأُنس أوسع مجالًا من اشتقاقه من النِّسيَان لما ذكرنا من التصاريف.
والوجه الثاني: أنّ ما قالوه يستدعي الإعلال بحذف اللام في الإفراد والجمع، إذا قلت: أنَاسيٌّ.
الوجه الثالث: أنَّهم ردوا اللام في التّصغير من غير حاجة؛ لأنَّ بناء التّصغير يحصل دونها )) [4] .
أرى أنّ السّماع الذي اتّخذه الكوفيون منهجًا عامًا في تقعيد القواعد التي يدعمها الواقع اللّغويّ، وما استدلوا به في هذه المسألة من أدلة من القرآن، والأثر حجة قوِيّة لهم خلافًا لما ذهب إليه ابن الخبّاز. كما أنّ الآيات الدالة على نسيان الإنسان في القرآن الكريم كثيرة، منها قوله تعالى: {ربَّنَا لا تُؤاخِذنَا إن نَسينَا أو أخطأنَا} [5] .
(1) ينظر: الكشاف: 1/ 220 - 221.
(2) طه: 88.
(3) ينظر: أدب الكاتب لابن قتيبة: 499، ولسان العرب (أنس) : 1/ 232.
(4) التّوجيه: 568 - 569.
(5) البقرة: 286، وينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: 871 - 872.