وعلى سبيل التذكير، ومن جهة بيان شدة تأثر الناس بالعادات، ومن باب التسلية في أثناء البحث العلمي، أورد لكم القصة الطريفة الآتية: كنت منذ نحو عشرين سنة أو أكثر في قرية تعتبر من مصايف سوريا، تسمى بـ مضايا، نزلت إلى المسجد لصلاة الفجر فلم يحضر إمام المسجد، وكان يوم جمعة، فقدموني لأصلي بهم إمامًا، وأنا أعرف أن من السنة أن يقرأ الإمام في صبح الجمعة سورة السجدة في الركعة الأولى، وسورة الدهر في الركعة الأخرى، لكني لا أُتقن حفظ السورتين؛ لذلك رأيت أن أقرأ من سورة أخرى أحفظها، وكان ذلك من سورة مريم، فقرأت نحو صفحة أو أكثر قليلًا، فلما كبرت تكبيرة الركوع وركعت إذا بالناس جميعًا يهوون ساجدين، فالذين خلفي أحسوا بأني لست ساجدًا وإنما أنا راكع، فتداركوا أمرهم وقاموا وشاركوني في الركوع، أما الذين وراء المنبر ولا يرون الإمام -ومن البدع الموجودة في بلادنا وفي بلادكم -أيضًا- هذا المنبر الطويل الذي يقطع الصف الأول والثاني- ما زالوا ساجدين إلى أن سمعوا قولي: سمع الله لمن حمده، حين ذاك بدأت الضوضاء والغوغاء في صفهم، وما أدري ماذا تكلموا، ولا شك أنهم نالوا من عرضي.
بعد أن أتممت الصلاة توجهت إليهم أعظهم فقلت لهم: يا جماعة! هل أنتم عجم أو عرب؟ والله لو أن هذه القصة وقعت من الأعاجم الذين لا يعرفون كلمة من اللغة العربية لكان عارًا عليهم، ألا تفرقون بين قول الإمام: (الم) وبين قوله: (كهيعص) ؟ أم أن قلوبكم وعقولكم وراء البقر والزرع والضرع؟ الشاهد: كيف أن العادات تؤثر في الناس، وتجعلهم يغفلون ما يسمعون من القرآن، كذلك إذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله سلموا معه، فأنا وجدت أنه من الحكمة أنه لم ينقل إلينا لا عن الرسول عليه السلام، ولا عن الصحابة جهرهم بالسلام حينما يصلون بالناس، لكنه نقل إلينا عن عمر بن الخطاب جهره بقوله: [أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر] .
[من دروس الشيخ المفرغة , وانظر إصلاح المساجد ص63]