انفطرت) كما قدمت ل [1] علم أرشدك الله أن الحق لا يتبين إلا بالباطل كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
فتأمل ما ذكرت لك ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة لعلك أن تعرف ملة أبيك إبرهم ودين نبيك محمد فتحشر معهما، ولا تُصَدّ عن الحوض يوم الدين، كما يُصد عنه من َصدَّ عن طريقهما، ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه كما زل عن صراطهما المستقيم في الدنيا من زل، فعليك بإدامة دعاء الفاتحة مع حضور القلب والخوف والتضرع.
وأما قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) فالعبادة كمال المحبة وكمال الخضوع، والخوف والذل، وقدم المفعول وهو إياك، كرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبرؤ من الشرك، والثاني التبرؤ من الحول والقوة فقوله: (إياك نعبد) أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحدًا، لا ملكًا ولا نبيًا ولا غيرهما، كما قال للصحابة: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) (سورة آل عمران، الآية: 80) ،فتأمل هذه الآية واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نسبت إلى تاج ومحمد بن شمسان، فإذا كان الصحابة لو يفعلوها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم فكيف بمن فعلها في الأموات والمقبورين وأمثالهم؟ فهذا القسم الأول.
والقسم الثاني يبدأُ بقوله تعالى: (وإياك نستعين) هذا فيه أمران أحدهما سؤال الإعانة من الله، وهو التوكل والتبرؤ من الحول والقوة. وأيضًا طلب الإعانة من الله كما مر أنها من نصف العبد.
وأما قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بقوله: (ويهديك صراطًا مستقيمًا) (سورة الفتح، الآية: 2) ، والهداية هي هنا التوفيق والإرشاد، وليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله.
(1) كشف الشبهات.