أما السبب الثاني فيتمثل بطنين البعوض، ويعد هذا الطنين ذا أهمية بالغة بالنسبة للبعوض، لاسيما وأنه يشكل نوعًا من النداء للتزاوج. وبينما يصدر البعوض الذكر طنينًا عميقًا وخافتًا ينتج عن ذبذبة جناحيه بشكل سريع، تتميز البعوضة بطنينها الحاد والثاقب [1] "إن هذا المخلوق الصغير في حجمه، عظيم في خلقه، وعظمة خلقه تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. ومما توصل إليه العلم الحديث أن هذه الحشرة لها مائة عين في رأسها. وفي فمها المتناهي في الصغر (48) ثمانية وأربعون سناَ. ولها ثلاثة قلوب في جوفها؛ في كل قسم من أقسامها قلب. ولها ستة سكاكين في خرطومها، ولكل سكين وظيفة خاصة. ولها ثلاثة أجنحة في كل جانب."
كما أنها مزودة بخمسة أجهزة لتعطيها القدرة على العمل وحماية نفسها:
1 -جهاز للشم تستطيع من خلاله شم رائحة عرق الإنسان من مسافة تصل إلى (60) كيلومترًا.
2 -جهاز حراري متطور يعمل مثل نظام الأشعة تحت الحمراء؛ وظيفته عكس لون الجلد البشري في الظلمة إلى لون بنفسجي حتى تراه.
3 -جهاز تخدير موضعي يساعدها على غرز إبرتها دون أن يحس الإنسان بشدة في الألم، و إنما يحس بمثل القرصة نتيجة لمص الدم.
4 -جهاز لتمييع الدم حتى يسري في خرطومها الدقيق النحيل.
5 -جهاز لتحليل الدم، لتختار ما تستسيغه من الدماء، فليس كل الدماء تناسبها. والأغرب مما تقدم أن علماء العصر اكتشفوا أنها تعيل مخلوقًا صغيرًا جدا يعيش على ظهرها لا يمكن رؤيته إلا بالعين المجهرية. وهو المعنى الظاهر المباشر من قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها} [2] وقديما قال الزمخشري في إظهار عظمة الله تعالى في خلق البعوضة:
يا من يرى مدَّ البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ
ويرى مناط عروقها في نحرها والمخَّ في تلك العظام النُّحَّلِ
ويرى خرير الدم في أوصالها متنقلًا من مفصل في مفصل
ويرى ويسمع حس م، ا هو دونها في قاع بحر مظلم متهول
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول [3] فأثّر ذلك
(1) سلسلة كيف ولماذا. الحيوانات وأسرارها وعاداتها، الإشراف الفني: علي شمس الدين، (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي،2001م) الطبعة الأولى ص29.
(3) تفسير الكشاف، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمد الزمخشري (467 - 528هـ) تحقيق وضبط محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، المجلد الأول، ص 121. بتصرف في الأبيات لاختلاف الروايات.
وانظر مجلة ( The new yourk review of books ) بقلم رتشارد هورتون، ترجمة: أحمد محمود، نشر مجلة (وجهات نظر) ، العدد الرابع والأربعون، 2002م بعنوان البعوض.