الباب الثالث - الفصل العاشر
مَعْنَى كَلِمَةُ آية
بين اللغويين والمفسرين
المقدمة
إن الناظر في كتب التفسير والأصول ليعجب كثيرا حين يجد أن العلماء الأجلاء من هذه الأمة لم يسألوا أنفسهم، أو يتساءلوا عن كثرة ما يقال عن الآيات المنسوخة في القرآن دون أن يرد حديث واحد عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يذكر فيه أن آية كذا نسخت آية كذا. ونتيجة لذلك رأيت أن أبحث الآيات التي وردت فيها كلمة"آية"لنتبين الأقوال التي فُسِّرت بها حسب مواقعها المختلفة والمتنوعة، وخصوصا أن كلمة"آية"وردت في القرآن الكريم (84) مرة في ثلاثين سورة؛ خمس سور مدنية، وخمس وعشرين سورة مكية [1] ، لعلي أجد ما يسعفني في الوصول إلي ما أرجو أن يكون صوابا، وهو أن القرآن الكريم لا منسوخ فيه، وإني لأعلم مسبقا أن القول بذلك قد يكون له صداه.
كما أنني سأحاول تدعيم النتائج التي سأتوصل إليها بما يمكن أن أجده من أقوال الذين قد أمعنوا النظر في هذا الموضوع الذي لا يزال ميدانا لفحول العلماء بين مؤيد ومعارض. ولذلك فسأرتب الآيات الواردة في ذلك على نفس ترتيب ورودها في القرآن الكريم ليتضح للقارئ معنى كلمة آية واضحا جليا إن شاء الله تعالى.
الآيات التي اشتملت على لفظ"آية"
قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ [2] مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [3] .
(1) وهي: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والأنعام، والأعراف،، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، والحجر، والنحل، والإسراء، ومريم، وطه، والأنبياء، والمؤمنون، والفرقان، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والروم، وسبأ، ويس، والصافات، وغافر، والزخرف، والفتح، والذاريات، والقمر، والنازعات.
(2) إعراب"ما ننسخ":ما شرطية جازمة لننسخ منصوبة الموضع بننسخ وجواب الشرط"نأت بخير منها «و (من آية) في موضع نصب على التمييز، والمميز"ما «والتقدير: أي شيء ننسخ من آية، ويجوز أن تكون زائدة وآية حالا، والمعنى أي شيء ننسخ قليلا أو كثيرا ... وقيل"ما «هنا مصدرية ; وآية مفعول به، والتقدير: أي نسخ ننسخ آية، ويقرأ (ننسخ) بفتح النون وماضيه نسخ ; ويقرأ بضم النون وكسر السين"ن نسخ «ماضيه أنسخت، يقال: أنسخت الكتاب: أي عرضته للنسخ (أو ننسأها) معطوف على ننسخ، ويقرأ بغير همز على إبدال الهمزة ألفا، ويقرأ ننسها بغير ألف ولا همز، وننسها بضم النون وكسر السين، وكلاهما من نسى إذا ترك ; ويجوز من نسأ إذا أخ ر إلا أنه أبدل الهمزة ألفا، ومن قرأه بضم النون حمله على معنى نأمرك بتركها أو تأخيرها، وفيه مفعول محذوف، والتقدير ننسكها. إملاء ما من به الرحمن للعكبري ج1 ص65،75.
(3) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية: 106.