عرض التفسير التحليلي كما هو ملحوظ في معظم التفاسير. فهو والحال هذه مثل نقل التفسير بالرواية أولًا من علماء الحديث فانفصل وصار علمًا قائمًا بذاته، فصار ما يسمى بالتفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي.
ويشهد لذلك أيضًا ما قاله الإمام الشاطبي في الموافقات:"فيصح في الاعتبار أن يكون واحدًا بالمعنى المتقدم، أي: يتوقف فهم بعضه على بعض بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضًا؛ حتى إن كثيرًا منه لا يفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سورة أخرى، ولأن كل منصوص عليه فيه من أنواع الضروريات مثلًا مقيد بالحاجيات، فإذا كان كذلك؛ فبعضه متوقف على البعض في الفهم؛ فلا محالة أن ما هو كذلك فكلام واحد؛ فالقرآن كله كلام واحد بهذا الاعتبار. [1] لموافقات - (ج 4 / ص 275) "
هذا هو الظاهر الذي يصح التعويل عليه، وأدلته فيه لا تنقض، وأما كونه نزل سورًا مفصولًا بعضها من بعض ببسم الله ... إلخ؛ فلا يقتضي استقلال بعضها عن بعض بالمعنى المراد، وكيف يتأتى بناء المدني على المكي، وأن كل منهما يبنى بعضه على بعض إذا أخذت كل سورة على حدتها غير منظور فيها لما ورد في غيرها؛ وأين يكون البيان والنسخ؟ عند من يقول به، ومعلوم أنه لا يلزم في البيان ولا في النسخ أن يكون المنسوخ والناسخ والمبين والبيان في سورة واحدة؛ فقوله:"ولا إشكال فيه"غير ظاهر في كلام الشاطبي رحمه الله تعالى ..
كما يؤكد أصالة هذا الاتجاه بديع الزمان النورسي - رحمه الله- حين يقول:"إن آياته مع كمال الانسجام، وغاية الارتباط، وتمام الاتصال بينها متيسر لكل أحد أن يأخذ من السور المتعددة آيات متفرقة لهدايته وشفائه، كما أخذها عموم أهل المشارب والعلوم، فبينما تراها أشتاتًا باعتبار المنازل والنزول، إذا تراها قد صارت كقلادة منظمة ائتلفت، واتصلت أخواتها الجديدة، فلا بالفصل من الأصل تنتقص، ولا بالوصل بالآيات الأخر تستوحش، فهذا السر يشير إلى أن أكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسبات دقيقة يجوز ذكرها معها واتصالها بها [2] لت: ألا ترى أن الإمام في الصلاة الجهرية لو قرأ من سورة البقرة وانتقل لأي سورة من القرآن لوجد الوضع منسجمًا ولما طُلِب منه أن يسجد للسهو لأن الموضوع يكاد يكون واحدًا مما يدل على الوحدة الموضوعية في كتاب الله تعالى."
أليس ما تقدم كله يصلح دليلًا على أصالة هذا الاتجاه الذي تُفهم منه
(1) لموافقات - (ج 4 / ص 275) .
(2) يد النورسي، المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان الصالحي (1994م) ، سولزلر للنشر، اسطنبول، ص249.