فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 340

هذا يجلي في الذهن قوله تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} . فيخشى العبد ربه، ويوقن ويصدق بوعده ووعيده.

مع هذه المكانة الرفيعة التي تعود في أصلها إلى عظمة الصانع سبحانه فإنه لا يجوز الغلو ولا المغالاة فإن الكمال لله وحده، ولذلك يجب أن لا يغيب عن البال أن الشرع دستور العبد وعقله، وبدون هذا الدستور لا يدرك نفعه من ضره، ولا خيره من شره، فلزم وقوف العقل خاضعًا ذليلًا في محراب الشرع، وإلا استحق من خالقه التأنيب والتأديب.

فقد أسهب القرآن بيانًا في تمجيد العقل وتكريمه، وكذلك السنة النبوية. كل ذلك لا يعطي حقًا للوضاعين أن يضعوا الأحاديث التي تعطي للعقل فوق حقه، فيرفع رأسه أعلى مما قدِّر له. ولا ننسى العلاقة بين الإيمان و الوحي والعقل. فإنه لولا العقل لما صح التكليف، فعليه مناطه. كما تعرضت لبيان ماهية العقل عند الفلاسفة، فشطحوا فيه أيما شطح، وليس مثل كلام الله تعالى. فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح. فكل أوامر الله تعالى ومناهيه تتفق مع العقل السليم، وبينت كذلك اختلاف علماء المسلمين في مدى إدراك العقل لأفعال المكلفين. فإن الإنسان لا تسقط عنه التكاليف ما دام حيًا عاقلًا، وإذا تغيرت حاله، وفقد القدرة على التمييز سقطت عنه التكاليف، فإنه إذا أخذ ما اوهب أسقط ما أوجب.

ولقد كفلت الشريعة الإسلامية للعقل ما يحفظه ويحميه من خلال تحريم المحرمات التي تؤثر عليه، والتكاليف التي أنيطت به، فإن الإنسان إذا سما عقله وخلقه وتأدب مع خالقه سما وارتقى ليكون أفضل من الملائكة، وإذا هبط وانتكس وتجاوز حدوده تدنى وتدسّى وخاب سعيه فصار دون البهيمة العجماء بل أضل {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا} [1] .

(1) القرآن الكريم، سورة الفرقان، آية: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت