الصفحة 42 من 2648

يَجِدَ رِيحًا» [1] ، وقوله لمن شَكَّ في صلاته: «فَليَطرَح الشَّكَّ وَليَبنِ عَلَى اليَقِينِ» [2] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"الاحتياط بمجرد الشَّك في أمور المياه ليس مستحبًا ولا مشروعًا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل إن المشروع أن يبقى الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجَّسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة، وأما إذا قامت أمارة ظاهرة فذاك أمر آخر" [3] .

قوله: (ولا يتحرَّى لاشتباهِ طَهُورٍ بنجسٍ، بل يتيمَّمُ) أي: إذا اشتبه ماء طهور بماء نجس فإنه يحرم استعمالهما، لأن اجتناب النجس واجب، ولا يتم إلا باجتنابهما معًا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقوله: (ولا يتحرَّى) أي: لا يجب عليه أن ينظر أيَّهما يغلب على ظنه أنه الطهور فيستعمله، بل يجتنبهما ولو مع وجود قرائن.

وقوله: (بل يتيمَّمُ) أي: لأنه غير قادر على استعمال هذا الماء لاشتباه الطهور بالنجس، فهو داخل في عموم قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً

ولاشتباهِ طَهُورٍ بطاهرٍ يتوضأُ بكلٍّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فَتَيَمَّمُوا [4] فهو غير واجد للماء حكمًا. وهذا هو الصحيح من المذهب [5] .

وظاهر كلام المصنف: أنه لا يشترط إراقتهما ليكون عادمًا للماء [6] . وهذا هو الصواب - إن شاء الله - على القول بأنه يتيمَّم.

والراجح في هذه المسألة أنه يتحرى، والتحرِّي: طلب ما هو الأحرى بالاستعمال في غالب ظنه. وذلك لأمرين:

الأول: قوله - في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في مسألة الشَّك في الصلاة: «فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ ليَبنِ عَلَيهِ» [7] .

الثانِي: أن من القواعد المقررة: جواز العمل بغلبة الظنِّ إذا تعذَّرَ اليقين. والطهارة تؤدى باليقين تارة، وبالظَّنِّ أخرى.

لكن لو تحرَّى ولم يظنّ شيئًا فإنه يتيمّم [8] ، ولو تيمَّم وصلَّى؛ ثُم علمَ النجس لم تلزمه الإعادة على الصحيح.

قوله: (ولاشتباهِ طَهُورٍ بطاهرٍ يتوضأُ بكلٍّ) الجارّ والمجرور متعلق بالفعل (يتوضأ) ، والمعنى: إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر فإنه يتوضأ بكل منهما وضوءًا

(1) أخرجه مسلم (362) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه مسلم (571) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

(3) "الفتاوى" (21/ 56) .

(4) سورة النساء، الآية (43) .

(5) انظر:"الشرح الكبير" (1/ 129) .

(6) انظر:"الإنصاف" (1/ 74) .

(7) أخرجه البخاري (401) ، ومسلم (572) .

(8) "الإنصاف" (1/ 73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت