الصفحة 36 من 57

والجهاد لا يلزم أن يكون بإمارة أميرٍ، ولم يشترطه أحد من أهل العلم في جهاد الدفع البتة، بل نصُّوا على عدم اشتراطه في جهاد الدفع، وما أحسن ما قال المجدد الثاني عبد الرحمن بن حسن (الدرر 8/ 199) : "ولا يكون الإمام إمامًا إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل".

وأمَّا قولهم: والخروج على الحاكم أو تكفيره مفسدة عظيمة، فهل يعنون تكفيره إذا كفر، أم تكفيره ولم يكفر؟ وهل هو خاصٌّ بحاكم بلاد الحرمين مهما فعل، أم يشمل صدام حسين وحافظًا؟ وهل المفسدة تكفير من فعل الكفر أم تعطيل أحكام الله فيه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) .

إن كانوا يريدون تكفير من لم يكفر فهو مفسدةٌ حقًّا، ولا يُنازعهم فيه أحد، وإن أرادوا تكفير من كفر، فهو حكم الله فيه، والمفسدة تعطيله لا تنزيله، وإن أرادوا أنَّ من يُكفِّر اليوم حاكم بلاد الحرمين يكفِّره بغير مكفِّر، فليُقيَّد الحديث بذلك، ولا يلبس الحقُّ بالباطل، والحقُّ أنَّ حاكم بلاد الحرمين اليوم مرتدٌّ بنواقض عدة، وإن شاؤوا أن يفتحوا الحوار في تكفير حاكم بلاد الحرمين كان ذلك، وما شيء من مسائل النزاع ممنوعًا من العرض على الدليل.

وأمَّا تسميتهم الصليبيين اليوم في الوجه الرّابع بأهل الوفادة، فما أدري أجهل باللغة، أم بالشَّرع أم عمىً أم تعامٍ! وأي معنى للوفادة في الموظّفين في قواعد عسكريَّة أو مدنيَّة، أو في عملٍ أيِّ عملٍ؟

ووافد القوم من يبعثونه في حاجةٍ لهم، والوفد الذين في الحديث، كما يعلم الإسلايوميُّون: الذين يأتون النّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ثمّ من بعده إمَّا مسلمين، وإمَّا سائلين عن الإسلام، وإمَّا طالبين الدخول في حكم الإسلام، فأين من هذا الأمريكان؟

وأعجب منه ما ذكروه في الرَّقيق في آخر هذا الوجه، وجعلهم ذلك من الوفادة، والرقيق مالٌ من سائر المال، فمُسوِّغ دخوله أنَّه مملوك لمسلم، فإنْ كان الأمريكان كذلك فليس للمجاهدين أن يُتلفوا أموال المسلمين من الإماء والعبيد بتفجيرها وتدميرها، على أنَّ الحال بضدِّ هذا، والمُسترَقُّ غيرُهم، والمُستعان الله.

واللازم الذي ذكروه من إهدار دماء غير الأمريكان من المشركين في جزيرة العرب، ملتزَمٌ عندنا بحمد الله إذ كان حقًّا لا مُدافع له، ولكنّا لا نُقاتلهم، وننهى عن ذلك لثلاثة أمور:

الأوّل: أنَّه لم يتقدّم إليهم إنذارٌ وبيانٌ لبطلان عهدهم، مع عدم تلبّسهم أو تلبّس قومهم بناقض للعهد، بخلاف الأمريكان والأوربيين.

والثاني: أنَّ في البلاد من هو أولى بالقتال، وقتاله أوجب، لجمعه كلّ موجباتِ القتال.

والثالث: الخلافُ في تحديد جزيرة العرب، الذي لا يكفي معه الاعتماد على الأمر بإخراجهم في قتالهم - وإن كان موجبًا في نفسه - للخلاف المعتبر، بخلاف الأمريكان الذين اجتمعت فيهم موجباتٌ كثيرٌ للقتال، تجوّز قتالهم ولو لم يكونوا في الجزيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت