وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله ـ شرح صحيح مسلم (مخطوط) : ـ عندما سئل: هل يجوز استخدام العمال من أهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ ـ فقال: "نعم يجوز ذلك، لكن لا يجوز أن يسكنوا ويكونوا مواطنين، هذا ممنوع في جزيرة العرب لكن إذا دخلوا في تجارة أو عمل غير مقيمين دائمًا فلا بأس" أهـ.
فتُحمل دلالة الحديث ـ إذًا ـ على المنع من استيطان المشركين لجزيرة العرب، لا إقامتهم فيها للعمل المؤقت أو التجارة كما هو شأن الكفار الوافدين.
ثم إن إنذار العدو (أمريكا مثلًا) بنقض العهد وإعلان الحرب ليس موكولًا لآحاد الناس؛ بل هو موكول إلى أولي الأمر من العلماء والسلطان الأعلى للدولة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الجهاد مع ولي الأمر، برًا كان أو فاجرًا، والسمع والطاعة بالمعروف كما في الحديث "اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" والخروج على الحاكم أو تكفيره مفسدة عظيمة، لا يكفرها حسن النية والقصد بحال.
الوجه الرابع: أن الكفار في البلاد في الجملة أهل وفادة وليسوا من أهل الإقامة وهذا لا يسوّغ دخول لكل وافد من الكفار، فإن هذا يُمنع بمناط آ خر، لكن من احتاجه المسلمون ساغ وفوده, وقد قاله النبي في وصيته التي فيها ذكر إخراجهم (وأجيزو الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) كما في الصحيح، وكأنه تنبيه على الجمع بين الحكمين, وأنه لا تعارض بينهما. ولهذا فإن عمر لما أخرج اليهود؛ استند إلى الحديث, لكنه مع ذلك ترك بعض أعيان الكفار من الرقيق وغيرهم لم يخرجهم فتأمل هذا.
الوجه الخامس: أن القول بانتقاض عهد كل مشرك لأجل إقامته في جزيرة العرب يلزم منه أن تكون دماء الكفار من غير الأمريكيين والأوروبيين مهدرةً، وأموالُهم مباحةً؛ فليس انتقاض العهد بالإقامة في الجزيرة مخصوصًا بالنصارى الأمريكان والأوربيين وحدهم!
فيلزم من القول بإهدار دماء نصارى الأمريكان والأوربيين القولُ بإهدار دماء وإباحة أموال نصارى الدول الأخرى، إذ جميعهم نصارى مشركون، وهم في الحكم سواء.
ولا شك أن القول بانتقاض عهد كل مشرك لأجل إقامته في جزيرة العرب، ومن ثم إهدار دمه وإباحة ماله يفضي إلى فوضى واضطراب وظلم.
ومما يعجب له أنه على مدار عشرات السنين لم يثر هذا الأمر ليكون سببًا لقتال أهل الأمان مع وجودهم بين ظهرانينا.
إن هذا ظاهر في أن مسألة جزيرة العرب لم تكن مسألة أصلية لدى هؤلاء وإنما استدعيت لتقوية الموقف الحادث من هذه التفجيرات.
ومهما يكن من شيء: فقد اختلف العلماء في المقصود بإخراجهم, وهي مسألة فيها اجتهاد وخلاف معروف, ومن تمسك برأي سابق للأئمة لا يجوز الطعن عليه, فضلًا عن نقض العهد برأي آخر، وإلا لسقطت كثير من العقود في المعاملات