قال: قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يُختلف في اعتبارها .. ثم قال: ولا يتأتَّى لعاقلٍ أن يقول: لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه"; فحديثهُ عن صورةٍ لا يُنازع فيها أحدٌ، ولا يختلف فيها اثنان، ولا تنتطح عنزان، فالعاقل فضلًا عن العالم لا يمكن أن يُنازع فيها، وليس معنى هذا أن ليس من أهل العلم من يقول بقتل الترس في صورةٍ أخرى تكون خلافيَّة، بل معناه أنَّ الموضع الذي وصفه القرطبي ينبغي أن يكون موضع اتّفاق، وأنَّ خلاف من خالف لا يجري في هذا الموضعِ.
والوجه الثاني من جواب الإسلايوميِّين، عللوه بأمرين: أن التترس يكون في حال المصافَّة، وأن هؤلاء معاهدون، وجعلوا هذا قسيمًا لهذا، وهو غلطٌ، فإنَّ العدوَّ الحربيَّ قد يكونُ مصافًّا في حال مواجهةٍ عسكريَّة، وقد يكون متربّصًا، وقد يكون مسالمًا، وهو في أحواله الثلاث غير المعاهد.
والتفريق الذي ذكروه لا وجه له، ونحن نقول إنَّ مسألة التترس في العدوّ غير المصافِّ فيها مناطان: مناط مشروعيَّة قتاله، ومناط مفسدة من يُقتل معه، فأمَّا مشروعيَّةُ قتاله، فلا فرق فيها بين المُصافِّ وغير المصافِّ، ولو كان المجاهدون لا يرون مشروعيَّة قتاله، ما استباحوا قتل التُّرس والمتَتَرِّس معصومٌ أصلًا، وأمَّا مفسدة قتل التُّرس، فلا فرق بين من يُقتل مكرهًا في مواجهة ومصافَّةٍ، ومن يُقتل مكرهًا في غير مواجهةٍ ومصافَّةٍ، بل التُّرس في كثيرٍ من الأحيان يكونُ في المُصافَّة من المجاهدين المقاتلين لهذا العدو الكافر البريئين منه أعظم البراءة، ومع ذلك وقعوا في أسره فاستعملهم ترسًا، وأمَّا في غير المصافَّة فالأكثر أنَّه مُخالطٌ للمشركين، مساكنٌ لهم، موالٍ لهم نوع موالاةٍ، كما أنَّ الأوَّل لم يكن تُرسًا إلاَّ بإكراهه على ذلك، أمَّا الثَّاني فقد دخل منازل الصليبيين باختياره، والثَّاني دون الأوَّل برئ منه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهو أولى بجواز قتله ترسًا، وإلحاقه بمن والاهم وخالطهم.
وأمَّا ما ذكروه من أنَّ قتل الكُفَّار هؤلاء يتأتّى دون قتل التُّرس، فإن أرادوا قتل من لا يحصل بقتله نكايةٌ ولا شيءٌ من مقاصد الجهاد مع تعريض النُّفوس للخطر، فهذا صحيح، والإسلايوميُّون أنفسهم يمنعون هذه الصورة من الجهاد.
ثمَّ لو فعلها المجاهدون، لشدّدت الحكومة حامية الصّليب الحراسة والحماية، ولاحتاج المجاهدون إلى قتل الصليبيِّين بتُرسهم بعد ذلكَ، فقتلهم غير متأتٍّ دون قتل الترس في المآل إن لم يكن في الحال.
ولو أنَّهم نظروا في الجهاد نظرةً أعمَّ رأوا أنَّ مثل هذه العمليَّة وأخواتها، لا تتأتّى إلاَّ بقتل مسلمين كثيرٍ، ولو منع لانسدَّ باب الجهاد بالكلّيَّةِ، ولتوقَّفَت جميع صوره حتّى الّتي صاروا يدعون إليها بعد تفجير الرِّياض، فالعمليَّات في فلسطين والشيشان وغيرها، قلَّ أن تكون دون أن يقع فيها قتلى من المسلمين، وسيأتي الحديث عن ضيق الأفق، وقصر النظرة عند الحديث عن المصالح والمفاسد في آخر الأسئلة بإذن الله.
وأمَّا كلامهم عن الطائفة الممتنعة، فلأنَّهم لم يفهموا المراد بها، والطائفة الممتنعة تطلق على معنيين:
الأوَّل: الامتناع عن الفرائض، ورفض التزامها، وهذا يُذكر لبيانِ حكم الممتنعِ عن الفريضة حتّى يُقاتِل عليها أو يصبر للقتل، وأنَّ قتاله محلُّ اتّفاق، وتكفيره هو الأصحُّ من قولي أهل العلم، وهو إجماع الصحابة على التحقيق.
والثاني: الامتناع بالشَّوكة، واشتقاقه من المنعةِ لا المنع، فهو افتعال من المنعة، وهذا يُذكر لبيان أمرين في حقِّه:
أولهما: التسوية بين أفراد هذه الطَّائفة ذات المنعة، والحكم لهم جميعًا بحكم واحدٍ في الظَّاهر هو حكم رأسها، فإذا كانوا كُفَّارًا أصليِّين اكتفي بإقامة الحجَّة والدعوة على الرأس بالاتّفاق، وحكم لهم تبعًا بحكمه، وإن كانوا مرتدِّين فكذلك في تكفير أعيانهم وقتلهم وقتالهم، كما فعل الصَّحابة في أصناف المرتدِّين: من متّبعي مسيلمة، والمُقاتلين معه دون استفصال عن اتّباعهم له، ومن مانعي الزَّكاة، وغيرهم.
وثانيهما: إلغاء الاستفصال وتبيُّن حالهم لعدم القدرةِ فيهم، كما حكم الصَّحابةُ بذلك في المرتدِّين الّذين قاتلوا مع مسيلمة.
وبهذا تتبيّنُ أنَّ الطائفة الممتنعة، قد تكون طائفةً كافرةً كفرًا أصليًّا ولها منعةٌ، فيُحكم لها بحكم واحدٍ، ومنها الدِّيارُ الكافرةُ حاكمًا وشعائرَ، والحصون، وتكون المنعة مسقطةً للاستفصال والتمييز، فلا يجب على المجاهدين التثبّت من عدم وجود المسلمين، بعد أن حكموا بأنَّ المجمّع طائفةُ كفَّار لها منعةٌ.
والّذي أورده السَّائل، هو في الامتناع بالشَّوكة، الّذي يرد في الكُفَّار الأصليِّين حين يُحكم عليهم جميعًا بحكم واحدهم، ويجوز بياتهم ويقال: "هم منهم" كما قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان زادَ أنَّ المسلمين الموجودون داخل المجمّع قد زادوا إلى امتناعهم بمنعة الكفّار الأصليِّين، أنَّ هؤلاء الكفَّار غير جارٍ عليهم حكم الإسلام - بتسليم الموافق والمخالف -