الصفحة 21 من 57

ومن امتنع عن أداء الزكاة من العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لهم شوكة وقوة لا يتأتى إلزامهم إلا بقتال وقد قاتلوا فقاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم.

أما الممتنع عن الزكاة بدون شوكة فقد حكم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "فإنا آخذوها وشطر ماله".

وعليه فإن اعتبار من أقام في مجمع سكني لا تقام فيه أحكام الله لا يكون في حكم الطائفة الممتنعة حتى ينذره الإمام ويأمره بإقامة شرع الله فإن امتنع وكانت له شوكة أو قاتل جاز قتاله حتى يذعن.

قال ابن تيمية - رحمه الله - ولا يقتل من ترك الصلاة أو الزكاة إلا إذا كان في طائفة ممتنعة فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل البغاة) مجموع الفتاوى (20/ 100) .

نقد الجواب

كلّ مقطع فيه من التلبيس أو سوء الفهم نصيبه، وقد كنتُ أنوي أن لا أتعرّض لمثل هذا لولا أنَّه مبنى الإجابات، ومستند المجيبين في أكثر فتاواهم، وليس أدلَّ على ذلك من خلطهم بين حديث العالم عن حكم المسألة، وحديثه عن الموضع المتّفق عليه منها، وبترهم من الكلام ما يرون أنَّه يردُّ عليهم، وإليك تمام كلام ابن تيميَّة الذي نقلوه: "وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فإنَّ الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرَّة ما هو دونها، ولهذا اتّفق الفقهاء على أنَّه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلاَّ بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوّغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء .. " (20/ 52 - 53)

وقال في موضعٍ آخر: "وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإنَّ المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل - وهو في الباطن لا يستحق القتل - لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنَّه قال: "يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم" فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرهًا لا يستطيع الامتناع فانه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم ممن يقتل من عسكر المسلمين". ا. هـ مجموع الفتاوى (28/ 547) .

فقد رأيتَ أنَّ ابن تيميَّة تحدّث عن صورتين لمسألة التَّترس، الأولى وفاقية، والثانية خلافيَّة فيها قولان مشهوران، وفي كلامه ميلٌ إلى ترجيح الجواز في الصورة المختلف فيها من التّترس، "ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا"، والصورتان هما:

الأولى: أن يُخاف على المسلمين الضرر، إذا لم يُقاتل الكافر المتترّس بمسلمين، فهذه الصورة اتّفاقيَّة عند شيخ الإسلام وغيره كما يأتي، والمقطع الذي نقلوه من كلام ابن تيميَّة والذي فيه حكاية الاتّفاق على صورةٍ من التترس يتحدّث عنها، هو في هذه الصورة.

الثانية: أن لا يُخاف على المسلمين الضَّرر من ترك قتال المتترسين، فليس فيه مصلحةٌ تغتفرُ لأجلها مفسدة قتل المسلمين، إلاَّ مصلحةُ استمرار الجهاد، وامتثال الأمر به، فهذه المسألة فيها قولان مشهورانِ.

فاستدلال المجاهدين بمسألة التّترس، لا يخرج عن أن يكون محلّ إجماعِ، أو أحد القولين المشهورَينِ لأهل الإسلام، وهذا ما لم يشأ الملبِّسُون أن يذكروهُ، ورأوه في كلام ابن تيميَّة فبتروه.

وأمَّا نقلهم عن القرطبي، ففيه من التلبيس مثلُ ما في نقلهم عن ابن تيميَّة، ولتوضيحه إليك كلامه بنصِّه، قال القرطبي: "قلتُ: قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلافٌ إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضروريَّة كلية قطعية .. إلى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت