الصفحة 14 من 15

فتحقيق التوحيد وإقامَتُه عند أهل الطائفة المنصورة أصلحُ المصالح وأعلاها، والتفريطُ فيه وتضييعُه بالتلبس بضده وهو الشرك أفسد المفاسد وأشدها وأعظمها، ولذا كانت مصلحة تحقيقِ التوحيد خارجةً تمامًا عن نطاقِ قاعدة الموازنات التي تكلمنا عليها، إذ ليس هناك على الإطلاق مصلحة أعظم من مصلحة تحقيق التوحيد لتُقّدَّمَ عليه، بل ليس هناك مصلحة تدانيه او تقترب منه فضلًا عن أن تكون هناك مصلحة تجاوزه وتتقدم عليه، كما أنّه ليس هناك مفسدة أعظم وأشد من مفسدة تضييع التوحيد، والتفريط فيه بالتلبس بضده من الشرك، فتحقيقُ التوحيد أعظم مصالح الدعوة بإطلاق كما أن تضييعه والتفريط فيه أفسد المفاسد بإطلاق.

ومما يدل أيضًا على أن مصلحة تحقيق التوحيد لا توزن بغيرها من المصالح من جلب نفع أو دفع ضر؛ ما جاء في قصة إسلام ثقيف، وقد كانوا سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدع لهم الطاغية -وهي اللات- لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمَّى، وإنما يريدون بذلك فيما يُظهرون أن يّسْلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام؛ فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها.

فلم يعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك المصالح التي أشار بها وفد ثقيف ليترك لهم بها طاغيتهم اللات من خوفهم من سفهاء قومهم وإرادتهم تأليف قومهم وعدم ترويعهم حتى يدخلوا الإسلام، هذا بالإضافة لكونهم حدثاء عهد بإسلام فيحتاجون إلى التأليف حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم فلا يرتدوا.

ولم يستثن الله تعالى من ذلك غير حالة الإكراه الملجئ؛ فهي الحالة الوحيدة التي رخَّص فيها الشارع في إظهار الشرك والكفر عند تحقق شروطها، وحتى في حالة الإكراه الملجئ فإن الإجماعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت