أَخْبَرَنِي بِعَدَدِ مَا كَانَ فِيْهَا مِنْ بَعْدُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ارْفُقْ، وَاشْتَغِلْ بِحَدِيثٍ آخَرَ كَيْلَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ» (١) .
وَمِنْ وَفَائهِ وَرِقَّةِ عَاطِفَتِهِ وَصِدْقِ أُخُوَّتِهِ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ: قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيِّ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ فِيْهِ نَعْيُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَ، وَاسْتَرْجَعَ، وَجَعَلَ تَسِيْلُ دُمُوْعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُوْلُ:
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الوَرَّاقُ: «سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا قَطُّ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ الغِيبَةَ تَضُرُّ أَهْلَهَا» (٤) .
(١) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٥٠) .
(٢) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩) .
(٣) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ١٣) ، وَ «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٣٩) .
(٤) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٤٣) .
قَالَ الذَّهَبِيُّ: مُعلِّقًا عَلَى كَلَامِ البُخَارِيِّ هَذَا: «قُلْتُ: صَدَقَ ﵀ وَمَنْ نَظَرَ فَى كَلَامِهِ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلِمَ وَرَعَهُ فِي الكَلَامِ فِي النَّاسِ، وَإِنصَافَهُ فِيْمَنْ يُضَعِّفُهُ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَقُوْلُ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، سَكَتُوا عَنْهُ، فِيْهِ نَظَرٌ، وَنَحْوُ هَذَا. وَقَلَّ أَنْ يَقُوْلَ: فُلَانٌ كَذَّابٌ، أَوْ كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ. حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: إِذَا قُلْتُ: فُلَانٌ فِي حَدِيْثِهِ نَظَرٌ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ وَاهٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُحَاسِبْنِي اللهُ أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَدًا، وَهَذَا هُوَ وَاللهِ غَايَةُ الوَرَعِ»