الصفحة 79 من 123

الكريم: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى، فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} (القصص:76) نصحه قومه، كان في حالة من الزهو والطيشِ الذي أخرجه عن حد الاتزان، وهو يرى أمواله تعرض أمامه، ونسي نعمة الله عليه، كان حاله كطالب نجح في الثانوية العامة، فحمله فرحه إلى أن يركب سيارة يسوقها بتهور، أو كرجل فرح بزواج ابنه أو قريبه فأطلق النيران التي تقلب الأفراح إلى أحزان، مثل هؤلاء الفرحين ننبهم أن هذا الأسلوب من الفرح لن يأتي لصاحبه بالسعادة، ونقول لهم ما قال قوم موسى لقارون: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77)

ماذا كانت عاقبة قارون هل حقق له ماله وغروره وزهوه وحفلاته الاستعراضية لأمواله هل حققت له السعادة؟ اسمع قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (القصص:81) ثم إنه يوم القيامة يتحسر على ما قدم فيقول (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) (الحاقة28: 29) بعض الناس يسير على درب قارون يطلب السعادة بجمع الأموال، فلا يسعدُ، يزيدُ في الجمع؛ فيزداد قلقًا وكآبة، لا يعرف النومَ إلا بعد أن يأخذ من الأدوية التي تعالج قلقَه، يقول لعل في الذهاب إلى شواطئ الدنيا والسفرِ في بقاع الأرض ترفيهًا و إزالةً للوحشة ثم يعود إلى نفسه خائبًا ويقول:

كل المرافئِ لا تبددُ وحشتي ... ما دام منفاي الكبيرُ بداخلي

هؤلاء بحثوا عن السعادة في غير موضعها، لأن السعادة في داخلك، فكثيرون وجدوا السعادة في ابتسامة طفل صغير، وفي قُبلة تطبعها على يد الوالد والوالدة، في إدخال السرور على قلوبِ عبادِ الله. عن ابن المنكدر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال:"من أفضل العملِ إدخالُ السرور على المؤمن، يقضي عنه دينًا يقضي له حاجة ينفس عنه كربة. و قيل لابن المنكدر ما بقي مما يُستلذُ قال: الإفضالُ على الإخوان [1] "فتقديم العون لإخوانك له لذةٌ لا يعادلها متعُ الدنيا الماديةُ، فالذين صنعوا المعروف وعرفوا لذته صاروا يستمتعون بالعطاء، وصف الشاعر دعبل الخزاعي أحدهم فقال:

هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله

كريم إذا ما جئت للخير طالبًا ... حياك بما تحوي عليه أنامله

(1) البيهقي: شعب الإيمان: ج:6: 123 ح:7679

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت