وكأن حال بلالٍ يصدق فيه قول الشاعر:
دخلتُ، وقلبي قد طار مني! ولكنه عاد لما دخلتُ
دخلتُ الرحابَ وأسلمتُ نفسي إلى تلفِ الوجْدِ حتى سَلِمْتُ
وكان المقامُ العظيمُ العظيمُ عليه ُيخيمُ نورٌُ وصمتُ
فَطَوفَ بي من جلالِ الرسولِ ذهولٌ فهمتُ، وهمتُ، همتُ
شعرتُ بأن السمواتِ أرضي وأني عليها بروحي سجدتُ [1]
أقبل الحسنُ والحسين على بلال وهو عند مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبكي فجعل يضمهما ويُقبِلُهُما، فقالا له:"يا بلال! نشتهي أن نسمع أذانك"ففعل وعلا السطحَ ووقف، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة فلما أن قال أشهد أن لا إله ألا الله ازدادت رجتها، فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا: بُعِث رسول الله فما رؤى يومًا أكثرَ باكيا ولا باكيةُ بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم [2] ... وأذن بلال ٌمرة اخرى عند فتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب إدراكا لمكانة القدس وعظمتها رحم الله بلالا وصحابة رسول الله وأعاد للأقصى جلال أذان الفاتحين. ...
لقد أدرك أصحاب رسول مكانة بلالٍ فلما كان عمر خليفة استأذن للدخول عليه بلالٌ وأبو سفيان فأمر بإدخال بلال وتأخير أبي سفيان، وكان معاوية عند عمر فلما دخل أبو سفيان دخل غاضبا لتقديم بلال عليه فقال معاوية لأبيه كأنه قد ورم أنفك، أي غضبت، أن قُدَّمَ بلالٌ وأُخِّرتّ؟ قال: نعم. قال: يا أبت إنما قدم بلال بالإسلام والقرآن، وإن قدمت أنت فتقدم بأمية، وعبد شمس، أترضى أن يقدم أمية وعبد شمس على الإسلام والقرآن. قال أبو سفيان: لا أرضى، ولئن رأيتُ بلالا لأُقدمنه. هذا هو الإسلام العظيمُ يُقدِّر المرءَ بما قدَّمَ فيتقدمُ بلالٌ ويتأخرُ سيدٌ من سادات مكة
لما احتضر بلالٌ رضي الله عنه نادت امرأته: و احزاناه! فقال: واطرباه! غدا ألقى الأحبة محمدا و حزبه [3] "."
قال ابن الجوزي في اللطائف"انقسم القوم عند الموت، فبعضهم صابر الخوف حتى انقضى نحبه."كعمر"كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يُغفر له."
(1) من شعر عمر الأميري: نجاوى محمدية
(2) (الذهبي أعلام النبلاء بتصرف ج: 1 ص: 358) قال الذهبي إسناده لين
(3) القاضي عياض الشفا ... [جزء 2 - صفحة 19]