لله ما شاء الله أن أصلي" [1] هذا القلب المشتاق إلى مولاه كلما توضأ ووجد نفسه مهيأً للصلاة شرع في صلاة ومناجاة الله هذا التعلق بالله هو الذي أعطى بلالًا القوة والقدرة على تحدي كفار مكة. ولما دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة فاتحا أمر بلالًا أن يصعد ويؤذن فوق الكعبة تقديرًا لجهاده وتضحياته وإعلانًا لمكانته في الإسلام، فهذا البطل الذي قدم التضحيات ليُعِزَ الإسلام أعزه الله بالإسلام ليصعد على أقدس بقعة في مكة ويعلن أجمل نداء في سمائها الله أكبر الله أكبر، هذا الصحابي الذي كان قبل سنوات يلقى السياطَ وهتافه أحد، أحد هاهو اليوم يصعد الكعبة ليعطر أجواء مكة بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله."
إيهٍ يا بلال!! قبيل سنواتٍ، قبيل سنوات كنت تردد أحد أحد تحت السياط ولا تلين وكانت (جروح جسمك وهو تحت سياطهم قسمات فجر يتقيه الجاني) واليوم هاهو فجر الإسلام في مكة يظهر، والفجرُ أنت مؤذنه، والفجر أنت من صناعه.
إيهٍ يا سيدي يا بلالُ الحبشي ها هي جهودك تثمر، والبذورُ التي بذرتها في صحراء مكة تنبت، والدينُ قدمتَ من أجله الغالي أعزك الله به ورفع قدرك: وصدق الله العظيمُ إذ يقول:"هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ"الرحمن:60
ولما توفي رسول الله خرج بلالٌ ليؤذن فلما وصل عند قوله: وأن محمدًا رسول الله غلبه البكاء إذ تذكر كيف كان يؤذن وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيًا بينهم، إمامهم في صلاتهم يسلمون في صلاتهم عليه دعاءً، ثم يسلمون بعد الصلاة عليه حين تلامس يدُه الشريفة أيدهم ويجلسون إليه، يتلقون أنواره، ويأنسون يقربه، واليومَ يؤذن بلالٌ ورسولُ الله مسجىً أمامه فلم يكمل بلال أذانه؛ إذ غلبه البكاء ولم يؤذن لأحدٍ بعد رسول الله، وأراد الجهاد فأراد أبو بكرٍ منعه فقال: إن كنت أعتقتني لله فخلِ سبيلي، فكان بالشام مقيمًا
{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} (القصص:5) ، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} (القصص:5) ،ثم إن بلالا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني فانتبه حزينًا وركب راحلته وقصد المدينة يسبق الخطو الضمائر وخفقات قلبه تنبض بحب نبيه والشوق للقاء الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه
(1) -رواه مسلم في صحيحه بلفظ"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ بِلَالٌ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ".كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل بلال برقم (4497)