باب النهي عن البغي، وذكر فيه عن أبي هريرة ر، قال: سمعت رسول الله × يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل مُتواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصِر. فقال: خلني وربي، أبًُعثتَ عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو: لا يُدخلك الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنتَ بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» ، قال أبوهريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته [1] . وهو حديث حسن .. فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخطئون ولا يكفرون». انتهى كلام ابن أبي العز ـ رحمه الله ـ بحروفه مختصرًا [2] .
وقال ابن الوزير: «وقد عُوقبت الخوارج أشدّ عقوبة، وذُمَّت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى، وتعظيمهم الله تعالى بتكفير عاصيه، فلا يأمن المكفِّر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل» [3] .
وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب: «التجاسر علىتكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال ومن عدم الخشية والتقوى فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال ... قال شيخ
(1) رواه الإمام أحمد (8292) ، وأبوداود (4901) ، وابن حبان (5712) بإسناد حسن، وله شاهد من حديث جندب عند مسلم (2621) مرفوعًا: أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان. وإن الله تعالى قال: «من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك» أو كما قال.
(2) شرح الطحاوية ص432، 436، 439، وجملة «من عيوب أهل البدع ... إلخ» نقلها فيما يظهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/ 251.
(3) إيثار الحق على الخلق ص403.