وعلى العموم فإن مسالة تكفير المعيَّن مسألةٌ كبيرة تختلف فيها أنظار المجتهدين، وللعلماء في بعض جزئياتها أقوال وتفصيلات سبقت الإشارة إلى بعضها عند الكلام على الإكراه، وعند الكلام على الجهل، وعند الكلام على التأويل [1] .
فلهذا ينبغي للمسلم أن لا يتعجل في الحكم على الشخص المعيَّن أو الجماعة المعيّنة بالكفر حتى يتأكد من وجود جميع شروط الحكم بالكفر وانتفاء جميع موانعه.
فتكفير المعيَّن يحتاج إلى نظر من وجهين:
الأول: معرفة هل هذا القول أو الفعل الذي صدر من هذا المكلف مما يدخل في أنواع الكفر أو الشرك الأكبر أم لا؟.
والثاني: معرفة الحكم الصحيح الذي يحكم به على هذا المكلف، وهل وجدت جميع أسباب الحكم عليه بالكفر وانتفت جميع الموانع من تكفيره أم لا؟ [2] .
وهذا يجعل مسألة تكفير المعيَّن من المسائل التي لا يحكم فيها على شخص أو جماعة سوى أهل العلم الراسخين فيه.
والحكم على المسلم بالكفر وهو لا يستحقه ذنب عظيم؛ لأنه حكم عليه بالخروج من ملة الإسلام، وأنه حلال الدم والمال، وحكم عليه بالخلود في النار إن مات على ذلك، ولذلك ورد الوعيد الشديد في شأن من يحكم على مسلم بالكفر، وهو ليس كذلك، فقد ثبت عن أبي ذر قال: قال النبي ×: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» متفق عليه [3] .
(1) أنهم صرّحوا أن مقالاتهم كفر ومشتملة على الكفر، وذلك لأجل تأويلهم وجهلهم»، انتهى كلام الشيخ عبدالرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ، وقد سمى ردهم للمعاني الظاهرة للنصوص وصرفها عن ظواهرها تكذيبًا.
ينظر مراجع عذر الإكراه وعذر الجهل وعذر التأويل السابقة.
(2) سيأتي كلام الشيخين عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ومحمد بن عثيمين رحمهما الله في هذه المسألة قريبًا إن شاء الله تعالى.
(3) البخاري (6045) ، ومسلم (61) ، وله شواهد كثيرة تنظر في مشكل الآثار
(855 - 865) وغيره. وقال ابن الوزير بعد ذكره لتواتر هذه الأحاديث وذكره ما يشهد لها قال في إيثار الحق ص385: «وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل المكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها، فإن العصمة مرتفعة، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلًا ولا شرعًا، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم» .
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام في آخر باب اللعان 4/ 76 عند شرحه لحديث أبي ذر السابق: «وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين
إلى السنة وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم».