يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنها ليست من الكفر المخرج من الملة.
ومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة: ما حكاه الإمام الطحاوي من إجماع أهل العلم على أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله [1] ، ومقتضى ما حكاه الطحاوي أنه غير مرتد.
ومستند هذا الإجماع: أن حاطب بن أبي بلتعة ر قد جسَّ على النبي × وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة، فكتب كتابًا إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بمسير النبي × إليهم، وكان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد أخفى وجهة سيره، لئلا تستعد قريش للقتال، وكان الدافع لحاطب ر لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية، ومع ذلك لم يحكم النبي × بردته، ولم يُقمْ عليه حدَّ الردة [2] ، فدلَّ
(1) أعانهم محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، ولا يصح حمله على عموم الإعانة مهما كان الحامل عليها؛ لأن في ذلك دعوى الإجماع على ما حكى بعض العلماء المتقدمين الإجماع على ضده وهو تحريم قتل الجاسوس، وهو إجماع صحيح فيما يتعلق بعدم ردته، أما تحريم قتله فقد حكي إجماعًا، وقيل: إنه قول الجمهور ـ كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
نقل الحافظ في الفتح 12/ 310 عن الإمام الطحاوي أنه حكى الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يُباح دمه ـ أي أنه غير مرتد، فلا يقام عليه حد الردة، ولا يقتل تعزيرًا ـ، وحكى القرطبيُّ في المفهم 3/ 47، و7/ 440 - 442، والقاضي عياض في إكمال المعلم 6/ 71، و7/ 539، وابن الملقن في الإعلام 10/ 322، والحافظ في الفتح 12/ 310 هذا القول عن الجمهور، وذكروا أن بعض أهل العلم قالوا بجواز قتله تعزيرًا. وينظر: المعلم 3/ 160، كشف المشكل 1/ 141، معالم السنن 4/ 4، عارضة الأحوذي 12/ 193، زاد المعاد 3/ 114، 115، الفروع: التعزير 6/ 113 - 115، كشاف القناع: التعزير 6/ 126، وهذا كله يدل على إجماع أهل العلم على أنه غير مرتد.
(2) أخرج حديث قصة حاطب ر البخاري في الجهاد، باب الجاسوس (3007) ، ومسلم في الفضائل (2494) ، وقال النووي في شرح مسلم 16/ 57،56 عند شرحه لقصة حاطب: «قال العلماء: معناه الغفران لهم ـ أي لأهل بدر ـ في الآخرة، وإلا فلو توجَّه على أحد منهم حد أو غيره أُقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماعَ على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم، وضرب النبي × مِسْطحًا الحد وكان بدريًا» ، وقد حكى الإجماع أيضًا على وجوب إقامة الحدود على أهل بدر ابن بطال في شرح البخاري 8/ 597، والحافظ في الفتح 7/ 306، والعيني في عمدة القاري 24/ 95، وقد يكون نقله عن التوضيح، ونقل قول النووي ابن مفلح في الفروع 6/ 115 وعلي القاري في المرقاة 5/ 631 مقرَّين له. وينظر: كلام الشيخ عبداللطيف السابق.